الرسم في طلوع البدور " يلتفت بك إلى بدر ثان ، ويعطيك الاعتراف بالمجاز على وجه . وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله : " أنا شمس " بالتنكير ، اعتراف بشمس ثانية أو كالاعتراف .
ومما يدلّ دلالة واضحة على دعوى الحقيقة ، ولا يستقيم إلا عليها قول المتنبي " 1 " : [ من الكامل ]
واستقبلت قمر السماء بوجهها * فأرتني القمرين في وقت معا
أراد : فأرتني الشمس والقمر ، ثم غلّب اسم القمر كقول الفرزدق " 2 " : [ من الطويل ]
أخذنا بآفاق السّماء عليكم * لنا قمراها والنّجوم الطوالع
لولا أنه يخيّل الشمس نفسها ، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف واللام معنى . وكذلك لولا ضبطه نفسه حتى لا يجري المجاز والتشبيه في وهمه ، لكان قوله : " في وقت معا " ، لغوا من القول ، فليس بعجيب أن يتراءى لك وجه غادة حسناء في وقت طلوع القمر وتوسّطه السماء ، هذا أظهر من أن يخفى .
وأمّا تشبيه أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل " 3 " : [ من الكامل ]
وإذا الغزالة في السماء ترفّعت * وبدا النهار لوقته يترجّل
أبدت لوجه الشمس وجها مثله * تلقى السماء بمثل ما تستقبل
فتشبيه على الجملة ، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول ، فأما الصّورة الخاصّة التي تحدث له بالصنعة ، فلم يعرض لها .
ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكل يدلّ على شدّة الشكيمة وعلوّ المأخذ ، قول الفرزدق : [ من الطويل ]
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه 1 / 162 من قصيدة مطلعها :أركائب الأحباب إن الأدمعا * تطس الخدود كما تطسن اليرمعاوالقمرين : الشمس والقمر وأراد وجهها .
( 2 ) البيت في ديوانه 1 / 419 من قصيدة مطلعها :منّا الذي اختير الرجال سماحة * وخيرا إذا هب الرياح الزعازع( 3 ) ترجلت الشمس : ارتفعت وترجل النهار : ارتفع ومنه قول الشاعر : وهاج به لما ترجّلت الضّحى .
راجع لسان العرب 3 / 1600 .