تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
ولا ارتعاد السّيف من قرّة * ولا انعطاف الرمح من فرط لين
ومما حقّه أن يكون طرازا في هذا النوع قول البحتري : [ من الخفيف ]
يتعثّرن في النّحور وفي الأو * جه سكرا لمّا شربن الدماء
جعل فعل الطاعن بالرماح تعثّرا منها ، كما جعل ابن المعتزّ تحريكه للسيف وهزّه له ارتعادا ، ثم طلب للتعثّر علّة ، كما طلب هو للارتعاد ، فاعرفه . ومن هذا الباب قول علبة : [ من الخفيف ]
وكأن السّماء صاهرت الأر * ض فصار النّثار من كافور
وقول أبي تمام : [ من الطويل ]
كأنّ السحاب الغرّ غيّبن تحتها * حبيبا فما ترقا لهنّ مدامع
وقول السريّ يصف الهلال : [ من المنسرح ]
جاءك شهر السّرور شوّال * وغال شهر الصّيام مغتال
ثم قال :
كأنه قيد فضّة حرج * فضّ عن الصائمين فاختالوا
كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها ، وأوهم أن الذي جرى العرف بأن يؤخذ منه الشّبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة ، ولم يقتصر على دعوى حصوله حتى نصب له علّة ، وأقام عليه شاهدا . فأثبت علبة زفافا بين السماء والأرض ، وجعل أبو تمام للسحاب حبيبا قد غيّب في التراب ، وادّعى السريّ أن الصائمين كانوا في قيد ، وأنه كان حرجا ، فلما فضّ عنهم انكسر بنصفين ، أو اتسع فصار على شكل الهلال . والفرق بين بيت السريّ وبيتي الطائيّين ، أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامّيّ جار على الألسن ، وجعل القطر الذي ينزل من السحاب دموعا ، ووصف السحاب والسماء بأنها تبكي ، كذلك ، فأمّا تشبيه الهلال بالقيد فغير معتاد نفسه إلّا أنّ نظيره معتاد ، ومعناه من حيث الصورة موجود ، وأعني بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسّوار المنفصم ، كما قال : [ من الرمل ]
حاكيا نصف سوار * من نضار يتوقّد
وكما قال السري نفسه : [ من الوافر ]
ولاح لنا الهلال كشطر طوق * على لبّات زرقاء اللباس