تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
يا ابن الكواكب من أئمّة هاشم و : يا ابن الليوث الغرّ فأجريت الاسم على المشبّه إجراءه على أصله الذي وضع له وادّعيته له ، كان قولك : " هم الكواكب " و " هم الليوث " أو " هم كواكب وليوث " ، أحرى أن تقوله ، وأخفّ مئونة على السامع في وقوع العلم له به . واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا : " جعل هذا ذاك " ، و " جعله الأسد " و " ادّعى أنه الأسد حقيقة ، أنّ المشبّه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى الوصف الذي به يجمع بين الشيئين ، وينفي عن نفسه الفكر فيما سواه جملة ، فإذا شبّه بالأسد ، ألقى صورة الشجاعة بين عينيه ، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه . فإن هو قال : " زيد كالأسد " ، كان قد أثبت له حظّا ظاهرا في الشجاعة ، ولم يخرج عن الاقتصاد . وإذا قال : " هو الأسد " ، تناهى في الدعوى ، إمّا قريبا من المحقّ لفرط بسالة الرجل ، وإما متجوّزا في القول ، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا . وإذا كان بحكم التشبيه ، وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من يعتقد أنّ الاسم لم يوضع على ذلك السّبع إلا للشجاعة التي فيه ، وأنّ ما عداها من صورته وسائر صفاته عيال عليها وتبع لها في استحقاقه هذا الاسم ، ثم أثبت لهذا الذي يشبّهه به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت ، فقد جعله الأسد لا محالة ، لأن قولنا : " هو هو " على معنيين : أحدهما : أن يكون للشيء اسمان يعرفه المخاطب بأحدهما دون الآخر ، فإذا ذكر باسمه الآخر توهّم أن معك شيئين ، فإذا قلت : " زيد هو أبو عبد اللّه " ، عرّفته أن هذا الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عرفه بأبي عبد اللّه . والثاني : أن يراد تحقق التشابه بين الشيئين ، وتكميله لهما ، ونفي الاختلاف والتفاوت عنهما ، فيقال : " هو هو " ، أي : لا يمكن الفرق بينهما ، لأن الفرق يقع إذا اختصّ أحدهما بصفة لا تكون في الآخر . هذا المعنى الثاني فرع على الأوّل ، وذلك أن المتشابهين التشابه التامّ ، لمّا كان يحسب أحدهما الآخر ، ويتوهم الرائي لهما في حالين أنه رأى شيئا واحدا ، صاروا إذا حققوا التشابه بين الشيئين يقولون : " هو هو " . والمشبّه إذا وقف وهمه كما عرّفتك على الشجاعة دون سائر الأمور ، ثم لم يثبت بين شجاعة صاحبه وشجاعة الأسد فرقا ، فقد صار إلى معنى قولنا : " هو هو " بلا شبهة .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 182 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني