العادة في مدح الرجل بأن عدوّه يكرهه ، فلم يقنعه ما سبق من تمهيده وتقدّم من احترازه في تلاقي ما يجنيه إطلاق صفة القبح ، حتى وصل به هذه الزيادة من المدح ، وهي كراهة سوامه لرؤية أضيافه ، وحتى حصل ذكر القبح مغمورا بين حسنين ، فصار كما يقول المنجّمون : " يقع النّحس مضغوطا بين سعدين ، فيبطل فعله وينمحق أثره " .
وقد عرفت ما جناه التهاون بهذا النحو من الاحتراز على أبي تمّام ، حتى صار ما ينعى عليه منه أبلغ شيء في بسط لسان القادح فيه والمنكر لفضله ، وأحضر حجّة للمتعصّب عليه . وذلك أنه لم يبال في كثير من مخاطبات الممدوح بتحسين ظاهر اللفظ ، واقتصر على صميم التشبيه ، وأطلق اسم الجنس الخسيس كإطلاق الشريف النّبيه ، كقوله : [ من الخفيف ]
وإذا ما أردت كنت رشاء * وإذا ما أردت كنت قليبا " 1 "
فصكّ وجه الممدوح كما ترى بأنه رشاء وقليب ، ولم يحتشم أن قال : [ من الكامل ]
ما زال يهذي بالمكارم والعلى * حتى ظننّا أنّه محموم " 2 "
فجعله يهذي وجعل عليه الحمّى ، وظنّ أنه إذا حصل له المبالغة في إثبات المكارم له ، وجعلها مستبدّة بأفكاره وخواطره ، حتى لا يصدر عنه غيرها ، فلا ضير أن يتلقّاه بمثل هذا الخطاب الجافي ، والمدح المتنافي .
هامش
( 1 ) البيت هو لأبي تمام في ديوانه ص 35 ، والرشاء : حبل الدلو ، القليب : البئر . والبيت في الديوان وقاله يمدح أبا سعيد محمد بن يوسف الثغريّ في قصيدة مطلعها :من سجايا الطلول أن لا تجيبا * فصواب من مقلتي أن تصوباوالبيت بعده :باسطا بالندى سحائب كفّ * بنداها أمسى حبيب حبيبا( 2 ) البيت في ديوان أبي تمام ص 283 . محموم : مصاب بالحمى ، وهذا البيت من قصيدة له يمدح أبا الحسين بن محمد بن الهيثم بن شبانة مطلعها :أسقى طلولهم أجشّ هزيم * وغدت عليهم نضرة ونعيموالبيت اذي قبله :متفجر نادمته فكأنني * للنجم أو للمرزمين نديم
غيث خوى كرم الطبائع دهره * والغيث يكرم مرة ويلوموبعده :للجود سهم في المكارم والتقى * ما ربّه المكدي ولا المسهوم
وبيان ذلك أن أول من حبا * وقرى خليل اللّه إبراهيم