والضخامة ، لم يحتجّ في تشبيهه بالفيل أو الجبل أو الجمل أو نحو ذلك إلى شيء من الفكر ، بل يحضره ذلك حضور ما يعرف بالبديهة .
والمقابلات التي تريك الفرق بين الجملة والتفصيل كثيرة ، ومن اللّطيف في ذلك أن تنظر إلى قوله " 1 " : [ من المتقارب ]
يتابع لا يبتغي غيره * بأبيض كالقبس الملتهب
ثم تقابل به قوله " 2 " : [ من الطويل ]
جمعت ردينيّا كأنّ سنانه * سنا لهب لم يتّصل بدخان
فإنك ترى بينهما من التفاوت في الفضل ما تراه ، مع أن المشبّه به في الموضعين شيء واحد وهو شعلة النار ، وما ذاك إلا من جهة أن الثاني قصد إلى تفصيل لطيف ، ومرّ الأوّل على حكم الجمل .
ومعلوم أن هذا التفصيل لا يقع في الوهم في أول وهلة ، بل لا بدّ فيه من أن تتثبّت وتتوقّف وتروّى وتنظر في حال كل واحد من الفرع والأصل ، حتى يقوم حينئذ في نفسك أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة الشبه ، وهو الدّخان الذي يعلو رأس الشعلة ، وأنه ليس في رأس السنان ما يشبه ذلك ، وأنه إذا كان كذلك ، كان التحقيق وما يؤدّي الشيء كما هو ، أن تستثني الدّخان وتنفي اتصاله باللهب ، وتقصر التّشبيه على مجرّد السّنا ، وتصوّر السنان فيه مقطوعا عن الدخان . ولو فرضت أن يقع هذا كلّه على حدّ البديهة من غير أن يخطر ببالك ما ذكرت لك ، قدّرت محالا لا يتصوّر ، كما أنك لو قدّرت أن يكون تشبيه الثّريا بعنقود ملّاحية حين نوّر ، بمنزلة تشبيهها بالنور على الإطلاق ، أو تفتّح نور فقط ، كما قال " 3 " : [ من الطويل ]
كأنّ الثّريا في أواخر ليلها * تفتّح نور . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) البيت لعنترة بن شداد العبسي في ديوانه ص 17 ، وهو أحد أربعة أبيات قالها في قتل ورد بن حابس نضلة الأسدي . وهو في الإيضاح ص 235 تحقيق د . هنداوي . تتابع : توالى ، ويروى : " تدارك لا يتقي نفسه " وبهذه الرواية ورد في شعر النصرانية . الأبيض : السيف . القبس : الشعلة تقتبس من معظم النار : يصف سيفه في إيماضه وبريقه .
( 2 ) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص 170 يصف رمحه . الردينى : الرمح المقوم ، منسوب إلى ردينة ، قبيلة من العرب كانت معروفة بتقويم الرماح .
( 3 ) البيت لابن المعتز في ديوانه ، وهو غير كامل وتمامه :
أو لجام مفضّض