تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
حتى ترى حاجتهما إلى التأمّل على مقدار واحد ، وحتى لا يحوج أحدهما من الرجوع إلى النفس وبحثها عن الصور التي تعرفها ، إلا إلى مثل ما يحوج إليه الآخر أسرفت في المجازفة ، ونفضت يدا بالصّواب والتحقيق . والعبرة الثانية : أن ما يقتضي كون الشيء على الذّكر وثبوت صورته في النفس ، أن يكثر دورانه على العيون ، ويدوم تردّده في مواقع الأبصار ، وأن تدركه الحواسّ في كل وقت أو في أغلب الأوقات وبالعكس ، وهو أنّ من سبب بعد ذلك الشيء عن أن يقع ذكره بالخاطر ، وتعرض صورته في النفس ، قلّة رؤيته ، وأنه مما يحسّ بالفينة بعد الفينة ، وفي الفرط بعد الفرط ، وعلى طريق النّدرة ، وذلك أن العيون هي التي تحفظ صور الأشياء على النفوس ، وتجدّد عهدها بها ، وتحرسها من أن تدثر ، وتمنعها أن تزول ، ولذلك قالوا : " من غاب عن العين فقد غاب عن القلب " ، وعلى هذا المعنى كانت المدارسة والمناظرة في العلوم وكرورها على الأسماع ، سبب سلامتها من النّسيان ، والمانع لها من التفلّت والذّهاب . وإذا كان هذا أمرا لا يشكّ فيه ، بان منه أنّ كل شبه رجع إلى وصف أو صورة أو هيئة من شأنها أن ترى وتبصر أبدا ، فالتشبيه المعقود عليه نازل مبتذل ، وما كان بالضدّ من هذا وفي الغاية القصوى من مخالفته ، فالتشبيه المردود إليه غريب نادر بديع ، ثم تتفاضل التشبيهات التي تجيء واسطة لهذين الطّرفين ، بحسن حالها منهما ، فما كان منها إلى الطّرف الأول أقرب ، فهو أدنى وأنزل ، وما كان إلى الطّرف الثاني أذهب ، فهو أعلى وأفضل ، وبوصف الغريب أجدر . واعلم أن قولنا : " التفصيل " عبارة جامعة ، ومحصولها على الجملة أنّ معك وصفين أو أوصافا ، فأنت تنظر فيها واحدا واحدا ، وتفصل بالتأمّل بعضها من بعض وأنّ بك في الجملة حاجة إلى أن تنظر في أكثر من شيء واحد ، وأن تنظر في الشيء الواحد إلى أكثر من جهة واحدة . ثم إنه يقع في أوجه : أحدها : وهو الأولى والأحقّ بهذه العبارة : أن تفصّل ، بأن تأخذ بعضا وتدع بعضا ، كما فعل في اللّهب حين عزل الدخان عن السّنا وجرّده ، وكما فعل الآخر حين فصل الحدق عن الجفون ، وأثبتها مفردة فيما شبّه ، وذلك قوله : [ من الطويل ] لها حدق لم تتّصل بجفون " 1 "
هامش
( 1 ) البيت لابن المعتز في ديوانه ص 440 ، وصدره : فجاءت بها في كأسها ذهبيّة