تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
وكذا قوله " 1 " : [ من الطويل ] . . . . . تعرّض أثناء الوشاح المفصّل وقد اعتبر فيه هيئة التفصيل في الوشاح ، والشكل الذي يكون عليه الخرز المنظوم في الوشاح ، فصار اعتبار التفصيل أعجب تفصيل في التشبيه . والوجه الثالث : أن تفصّل بأن تنظر إلى خاصّة في بعض الجنس ، كالتي تجدها في صوت البازي وعين الديك ، فأنت تأبى أن تمرّ على جملة أنّ هذا صوت وذاك حمرة ، ولكن تفصّل فتقول فيهما ما ليس في كل صوت وكل حمرة . واعلم أن هذه القسمة في التفصيل موضوعة على الأغلب الأعرف ، وإلا فدقائقه لا تكاد تضبط . ومما يكثر فيه التفصيل ويقوى معناه فيه ، ما كان من التشبيه مركّبا من شيئين أو أكثر ، وهو ينقسم قسمين : أحدهما : أن يكون شيئا يقدّره المشبّه ويضعه ولا يكون . ومثال ذلك تشبيه النرجس بمداهن درّ حشوهنّ عقيق ، وتشبيه الشّقيق بأعلام ياقوت نشرت على رماح من زبرجد ، لأنك في هذا النحو تحصّل الشبه بين شيئين تقدّر اجتماعهما على وجه مخصوص وبشرط معلوم ، فقد حصّلته في النرجس من شكل المداهن والعقيق ، بشرط أن تكون الداهن من الدرّ ، وأن يكون العقيق في الحشو منها وكذلك اشترطت هيئة الأعلام ، وأن تكون من الياقوت ، وأن تكون منشورة على رماح من زبرجد فبك حاجة في ذلك إلى مجموع أمور ، لو أخللت بواحد منها لم يحصل الشّبه . وكذلك لو خالفت الوجه المخصوص في الاجتماع والاتصال بطل الغرض ، فكما بك حاجة إلى أن يكون الشكل شكل المدهن ، وأن يكون من الدّرّ وأن يكون معه العقيق ، فبك أيضا فقر إلى أن يكون العقيق في حشو المداهن ، وعلى هذا القياس .
هامش
( 1 ) البيت لامرئ القيس في معلقته الشهيرة وصدره : إذا ما الثريا في السماء تعرّضت وهو في ديوانه ص 114 ، والمعنى : كان تجاوزي الأحراس ، وتقحمي المعاشر إليها ، وقت تعرض الثريا في السماء . وقد زعموا أنه لم يرد الثريا وإنما أراد الجوزاء ، لأن الثريا لا تتعرض مع أن لها اعتراضا عند السقوط ، فإنها تأخذ وسط السماء كما يأخذ الوشاح وسط المرأة . وأثناء الوشاح : ثناياه . والمفصل : الذي فصل بين كل خرزتين منه بلؤلؤة .
أسرار البلاغة في علم البيان ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 126 | عبد الحميد هنداوي / عبد القاهر الجرجاني