تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اللباب في علل البناء والإعراب — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
أحدها : أنّ الفعل يصل إليه بنفسه كما يصل إلى الفاعل بخلاف الظرف . والثاني : أنّ المفعول به شريك الفاعل ؛ لأن الفاعل يوجد الفعل والمفعول به يحفظه . والثالث : أنّ المفعول في المعنى قد جعل فاعلا في اللفظ كقولك : مات زيد ، وطلعت الشمس ، وهما في المعنى مفعول بهما بخلاف الظرف . والرابع : أنّ من الأفعال ما لم يسمّ فاعله بحال نحو : عنيت بحاجتك ، وبابه ولم يسند إلا إلى مفعول به صحيح فدلّ على أنّه أشبه بالفاعل . وقال الكوفيّون : يجوز إقامة الظرف مقام الفاعل وإن كان معه مفعول صحيح ؛ لأنه يصير مفعولا به على السعة وهذا ضعيف لما ذكرنا . فصل : وأمّا إقامة المصدر مقام الفاعل مع المفعول به فللبصريّون فيه مذهبان : أحدهما : لا يجوز ؛ لأن المصدر يصل إليه في المعنى فهو غير لازم بخلاف المفعول به . والآخر يجوز ؛ لأن الفعل يصل إليه بنفسه واحتجّوا على ذلك بقرأءة أبي جعفر المدنيّ :
لِيَجْزِيَ قَوْماً
[ الجاثية : 14 ] أي : ليجزى الجزاء قوما ، وبقراءة عاصم :
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ
[ الأنبياء : 88 ] أي : نجي النجاء ، وبقول جرير :
فلو ولدت فقيرة جرو كلب * لسبّ بذلك الكلب الكلابا
وهذا ضعيف لما ذكرنا ، والقراءتان ضعيفتان على أنّ قراءة عاصم فيها وجه آخر يخرجها من هذا الباب ، وهو يكون أن الأصل : ( ننجي ) ثمّ أبدل النون الثانية جيما وأدغمها ، وأمّا قراءة أبي جعفر فعلى تقدير : ( لنجزي الخير قوما ) فالخير مفعول به وهذا الفعل يتعّدىّ إلى مفعولين وأضمر الأوّل لدلالة الثاني عليه ، وأمّا البيت فقد حمل على ما قالوا وحمل على وجه آخر ، وهو أن يكون التقدير : فلو ولدت قفيرة الكلاب ياجرو كلب لسبّ ، أي : جنس الكلاب . فصل : وإنّما جاز إقامة حرف الجرّ والظرف والمصدر - أيّها شئت - مقام الفاعل لتساويها في ضعفها عن المفعول به ، وإنّما يقام الظرف مقام الفاعل إذا جعل مفعولا على السعة ؛ لأنه إذ كان ظرفا كان حرف الجرّ مقدّرا معه وهو : ( في ) ، و ( في ) يقع فيها الفعل لا بها ولأنّ الفعل