تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢

فصاحة التراكيب :

ونبتدىء الآن بالقول في تأليف الكلام على ما قدمناه من أن القسم الثاني من الفصاحة صفات توجد في التأليف ، وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة في تأليف الكلام ، كما أمرناه بتجنب ذلك في اللفظة الواحدة ، بل هذا في التأليف أقبح ، وذلك أن اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثل ما يستمر في الكلام المؤلف إذا طال واتسع . وما زال أصحابنا يعجبون من البيت :
لو كنت كنت كتمت الحب كنت كما * كنا نكون ولكن ذاك لم يكن
وليس يحتاج إلى دليل على قبحه للتكرار أكثر من سماعه . وقد روي أن أبا تمام لما أنشد أحمد بن أبي دؤاد قوله :
فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن * يرضى المؤمّل منك إلّا بالرضى « 1 »
قال له إسحاق بن إبراهيم الموصلي : لقد شققت على نفسك يا أبا تمام والشعر أسهل من هذا . وكنت حاضرا عند شيخنا أبي العلاء - وقد قرئت عليه قصيدة لأبي الطيب - فلما وصل القارئ إلى هذا البيت :
ولا الضّعف حتى يبلغ الضعف ضعفه * ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف « 2 »
قال : هذا واللّه شعر مدبّر « 3 » . وكان من العصبية لأبي الطيب على الصفة التي اشتهرت عنه .
هامش
( 1 ) وقد جاء عجز البيت في الديوان 2 / 307 :يرضى امرؤ يرجوك إلا بالرضى( 2 ) « ديوان المتنبي » ص 152 . ( 3 ) مدبر أي : مصنوع أو مفتعل .