تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر ، وما جرى مجراهما . وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم ، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك ، ولهذا لا يمكن أحدا أن يعلّم الشعر من لا طبع له وإن جهد في ذلك ، لأن الآلة التي يتوصل بها غير مقدورة لمخلوق ، ويمكن تعلم سائر الصناعات لوجود كل ما يحتاج إليه من آلاتها . وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلّف ، فإن كان مدحا كان الغرض به قولا ينبئ عن عظم حال الممدوح ، وإن كان هجوا فبالضدّ ، على هذا القياس كل ما يؤلّف ، وإذا تأملته وجدته كذلك . وقد ذهب أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب « 1 » إلى أنّ المعاني في صناعة تعلم الكلام موضوع لها ، وذكر ذلك في كتابه الموسوم « بنقد الشعر » « 2 » ، وقال في كتابه « الخراج وصناعة الكتابة » عند كلامه على البلاغة : إن اللغة تجري مجرى الموضوع لصناعة البلاغة ، وهذان القولان على ما تراه مختلفان ، والصحيح منهما ما قدمناه وذكره في « كتاب الخراج » . ويجب أن يقال له إذا ذهب إلى أن المعاني هي الموضوع : خبرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلف فألفها ، إذا لم تكن عندك موضوعا لصناعة فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كل صناعة ؟ والتأمل قاض بصحتها ونحن نرى الألفاظ تأثيرها في هذه الصناعة التي كلامنا عليها تأثير بيّن في الحسن والقبح ، ولا يجوز أن تكون مع هذه العلقة الوكيدة غريبة منها . فإن قلت : إنها الآلة ، قلنا لك : وأي صناعة من الصناعات تصاحبها الآلة بعد فراغ الصانع منها حتى تصير أصلا والمصنوع تابعا لها ؟
هامش
( 1 ) هو قدامة بن جعفر بن قدامة بن زياد البغدادي ، أبو الفرج : كاتب من البلغاء الفصحاء المتقدمين في علم المنطق والفلسفة يضرب به المثل في البلاغة توفي ببغداد سنة 337 هجرية من كتبه : « الخراج » و « نقد الشعر » و « جواهر الألفاظ » وغيرها كثير . ( 2 ) « نقد الشعر » لقدامة بن جعفر : ص 19 .