في الطبقة الوسطى .
وهذا الذي ذكره غير صحيح ، والقسمة فاسدة ، وذلك أن التأليف على ضربين :
متنافر ، ومتلائم ، وقد يقع في المتلائم ما بعضه أشد تلاؤما من بعض على حسب ما يقع التأليف عليه ، ولا يحتاج أن يجعل ذلك قسما ثالثا ، كما يكون من المتنافر ما بعضه أشد في التنافر وأكثر من بعض ، ولم يجعل الرماني ذلك قسما رابعا .
فأمّا البيتان فليسا في هذا الموضع بأحق من غيرهما ، وأما قوله : إن القرآن من المتلائم في الطبقة العليا وغيره في الطبقة الوسطى ؛ وهو يعني بذلك جميع كلام العرب ، فليس الأمر على ذلك ، ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية ، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه ، ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة ، والأمر بحمد اللّه أظهر من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من شدا من الأدب شيئا ، أو عرف من نقد الكلام طرفا .
وإذا عدنا إلى التحقيق وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته ، بأن سلبوا الإرادة التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك ، وإذا كان الأمر على هذا فنحن بمعزل عن ادعاء ما ذهب إليه من أن بين تأليف حروف القرآن وبين غيره من كلام العرب كما بين المتنافر والمتلائم . ثم لو ذهبنا إلى أن وجه إعجاز القرآن الفصاحة ، وادعينا أنه أفصح من جميع كلام العرب بدرجة ما بين المعجز والممكن ، لم يفتقر في ذلك إلى ادعاء ما قاله من مخالفة تأليف الحروف الواقعة في الفصيح من كلام العرب ، وذلك أنه لم يكن بنفس هذا التأليف فقط فصيحا ، وإنما الفصاحة لأمور عدة تقع في الكلام ، من جملتها التلاؤم في الحروف وغيره ، وقد بينا بعضها ، وسنذكر الباقي ، فلم ينكر على هذا أن يكون تأليف الحروف في القرآن وفصيح كلام العرب واحدا ؟ ويكون القرآن في الطبقة العليا لما ضامّ تأليف حروفه من شروط الفصاحة التي
سر الفصاحة — صفحة 94
مساهمون: عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي
ص٩٤