ولذلك لا أختار التصغير في قول أبي الطيب :
إذا عذلوا فيها أجبت بأنّة * حبّيبّتا قلبي فؤادي هيا جمل « 1 »
لأنه عار من الوجه الذي ذكرته ، فاما ما يذهب إليه من التصغير بمعنى التعظيم في مثل قول الشاعر « 2 » :
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم * دويهيّة تصفرّ منها الأنامل
فقد حكي أنّ أبا العباس المبرد كان ينكره ، ويزعم أن التصغير في كلام العرب لم يدخل إلا لنفي التعظيم ، ويتأول - دويهية - وما يجري مجراها بأن يقول : أراد خفاءها في الدخول فصغرها لهذا الوجه وهو ضد التعظيم المذكور .
ويقوّي عندي ما ذهب إليه أبو العباس المبرد أنهم إذا وضعوا التصغير أمارة للتحقير والتعظيم معا فقد زالت الفائدة به ولم يكن دليلا على واحد منهما ، بل يرجع إلى المقصود باللفظة ، ويلتمس بيان ذلك من جهة المعنى دون اللفظ ، فليس للتصغير تأثير ، وعلى كلا القولين فليس التصغير عندي وجها من وجوه الفصاحة إلا في الموضع الذي ذكرته ، دون ما يسمونه تصغيرا في التعظيم ، وعلى هذا أحمل قول المتنبي :
أحاد أم سداس في أحاد * لييلتنا المنوطة بالتناد « 3 »
فلا أختار التصغير في - لييلتنا - لأنه تصغير تعظيم - وليس على الوجه الذي ذكرته .
هامش
( 1 ) « ديوان المتنبي » 1 / 88 . وفيه :إذا عذلوا فيها أجبت بأنّة * حبيبتي قلبي فؤادي هيا جمل( 2 ) البيت للبيد بن ربيعة في « ديوانه » 256 ، « جمهرة اللغة » 232 ، و « أسرار البلاغة » 199 ، « أمالي ابن الشجري » 1 / 25 ، 2 / 49 ، 131 ، « الإنصاف » 139 ، « شرح المفصل » 5 / 114 ، « خزانة الأدب » 2 / 561 ، « شرح شواهد الشافية » 85 ، « مغني اللبيب » 48 ، 136 ، 197 ، 626 ، « همع الهوامع » 2 / 185 ، « الدرر اللوامع » 2 / 228 ، « شرح الأشموني » 4 / 157 .
( 3 ) « ديوان المتنبي » 1 / 129 ، « مغني اللبيب » 47 ، 654 .