تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وأما التحرّز مما يوجب الطعن فأن يأتي بكلام لو استمر عليه لكان فيه طعن ، فيأتي مما يتحرز به من ذلك الطعن ، كقول طرفة :
فسقى ديارك غير مفسدها * صوب الربيع وديمة تهمى « 1 »
فلو لم يقل : غير مفسدها ، لظنّ به أنه يريد توالي المطر عليها ، وفي ذلك فساد للديار ومحو لرسومها ، كما عابوا قول ذي الرمّة :
ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر « 2 »
وقالوا : إذا لم يزل القطر منهلا عليها عفى آثارها ودرس معالمها ، فاحترز طرفة بقوله : غير مفسدها ، من هذا الطعن ، على أنّ ذا الرمّة قد احترز بقوله : ألا يا اسلمى يا دار ميّ على البلى ، ولأجل هذا الغرض قال الرضيّ ( رحمه اللّه ) في وصف المطر المستسقى به القبر - وذكر السحابة :
تجري وذاك الرمس غير مروّع * منها وذاك الترب غير مثار « 3 »
واستقبح قول أبي الطيب المتنبي في مثله :
لساحيه على الأجداث حفش * كأيدي الخيل أبصرت المخالي « 4 »
ومن الاحتراز أيضا قول عبد اللّه بن المعتز باللّه في صفة الخيل :
صببنا عليها ظالمين سياطنا * فطارت بها أيد سراع وأرجل
هامش
( 1 ) هذا البيت من قصيدة له في مدح قتادة بن مسلمة الحنفي ، وكان أصاب قومه جدب فبذل لهم ، وصوب الربيع : مطره ، والديمة : المطر الدائم . « ديوان طرفة » 62 ، معاهد التنصيص 1 / 122 الدرر اللوامع 1 / 201 ، همع الهوامع 1 / 241 . ( 2 ) « ديوان ذي الرمّة » ص 102 . ( 3 ) « ديوان الشريف الرضي » ( 1 / 453 ) . ( 4 ) الساحي : الذي يقشر الأرض بشدة انصبابه ، والأجداث : القبور ، وحفش : وقع شديد ، والمخالي : التي يوضع فيها الشعير للخيل . وانظر « ديوانه » ( 2 / 13 ) .