تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
أن يأتي في البيت الثاني بما يليق به ، فأتى بالضياء بإزاء الظلم وذلك صواب ، وكان يجب أن يأتي بإزاء بغي العدى بالنصرة أو العصمة أو ما جرى مجرى ذلك ، فلما جعل مكانه ذكر الندى كان التفسير فاسدا . وأما كمال المعنى فهو أن تستوفي الأحوال التي تتم بها صحته وتكمل جودته ، وذلك مثل قول نافع بن خليفة الغنوي :
رجال إذا لم يقبل الحقّ منهم * ويعطوه عاذوا بالسيوف القواضب « 1 »
فتمم المعنى بقوله : ويعطوه ؛ لأنه لو اقتصر على قوله : إذا لم يقبل الحق منهم عاذوا بالسيوف ؛ كان المعنى ناقصا . ومن أمثلة ذلك في النثر قول بعضهم : ( فخلقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها النخوة ، وترامت به أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة ، هذا مع دماثة في غير حصر ، ولين جانب من غير خور ) . فكامل المعنى في هذا الكلام ، لأن من كمال الجلالة أن تزول عنها النخوة وكمال الصرامة أن تسلم من السطوة ، وتمام الدماثة أن تكون بغير حصر ولين الجانب أن يكون من غير خور ، ومن هذا الجنس قول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في الوالي : يجب أن يكون معه شدة في غير عنف ولين في غير ضعف . وأما المبالغة في المعنى والغلوّ فإن الناس مختلفون في حمد الغلو وذمه ، فمنهم من يختاره ويقول : أحسن الشعر أكذبه ، ويستدل بقول النابغة وقد سئل من أشعر الناس ؟ فقال : من استنجد كذبه ، وأضحك رديئه ، وهذا هو مذهب اليونانيين في شعرهم ، ومنهم من يكره الغلو والمبالغة التي تخرج إلى الإحالة ، ويختار ما قارب الحقيقة ودانى الصحة ، ويعيب قول أبي نواس :
وأخفت أهل الشرك حتى إنه * لتخافك النطف التي لم تخلق « 2 »
هامش
( 1 ) نهاية الأرب 7 / 118 ، الصناعتين 398 ، نقد الشعر 49 . عاذرا : لجأوا . القواضب : القواطع . ( 2 ) « ديوان أبي نواس » ص 185 . ط المكتبة الثقافية بيروت .