تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
التأويل أن يكون معناه كان هؤلاء القوم كالغيث إلا أنه غيث يكف كل ساعة ، وإن لم يدل لفظه على هذا المعنى دلالة واضحة . ومن هذا الفن قول أيمن : « 1 »
فإنا قد وجدنا أمّ بشر * كأمّ الأسد مذكارا ولودا
لأن أم الأسد ليست كذلك . وأما ردئ التشبيه فكقول المرّار :
وخال على خدّيك يبدو كأنه * سنا البدر في دعجاء باد دجونها « 2 »
لأن الخدود بيض والمتعارف أن يكون الخال أسود ، فتشبيه الخدود بالليل والخال بضوء البدر تشبيه ناقض للعادة . فإن قيل : قد مضى في كلامكم أن المشبه به يجب أن يكون معروفا واضحا أبين من الشيء الذي يشبه ، فما تقولون في قوله تعالى في شجرة الزقوم :
إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
[ الصافات : 64 - 65 ] ورؤوس الشياطين غير مشاهدة ؟ قيل : إن الزقوم غير مشاهد ورؤوس الشياطين غير مشاهدة ، إلا أنه قد استقر في نفوس الناس من قبح الشياطين ما صار بمنزلة المشاهد ، كما استقر في نفوسهم من حسن الحور العين ما صار بمنزلة المشاهد ، حتى إنهم إذا شبهوا وجها بوجه الحور كان تشبيها صحيحا ، وإن كانت الحور لم تشاهد ، ولم يستقر في نفوسهم قبح طلع الزقوم كما استقر في نفوسهم قبح رؤوس الشياطين ، فكأن المشبه به أوضح ، وفي رؤوس الشياطين أيضا من المبالغة في القبح ما ليس في طلع الزقوم ، وقد قيل في بعض التفاسير : إن الشياطين هنا الحيات ، وعلى هذا القول يسقط السؤال ، لأن الحيات مشاهدة .
هامش
( 1 ) هو أيمن بن خريم في مدح بشر بن مروان . ( 2 ) دعجاء : سوداء ، ودجونها : سوادها .