تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
قط نار ) كثرة إطعامه الطعام ، فلم تأت بذلك اللفظ بعينه بل بلفظ هو أبلغ في المقصود ، لأن كثيرا ممن يطعم الطعام تخمد ناره في وقت ، وكذلك قول الأخرى : ( له إبل قليلات المسارح ، كثيرات المبارك ، إذا سمعن صوت المزهر أيقنّ أنهن هوالك ) فأرادت أن هذا الرجل ينحر إبله فقلّما تسرح وتبعد في المرعى ، لأنه يبركها بفنائه ليقرب عليه نحرها للضيوف ، والمزهر العود الذي يغني به ، فإذا سمعت الإبل صوته أيقنت أنها هوالك ، لما قد اعتادته من نحره لها إذا سمع الغناء وانتشى ، وذلك لاتعتاده الإبل وتفهمه إلا مع الاستمرار والدوام ، وهذا كله أبلغ من قولها : إنه ينحر الإبل ، على ما قدمناه وبيناه . ومن هذا الفن من الإرداف قول أبي عبادة :
فأوجرته أخرى فأضللت نصله * بحيث يكون اللبّ والرعب والحقد « 1 »
لأنه أراد - القلب - فلم يعبر عنه باسمه الموضوع له ، وعدل إلى الكناية عنه بما يكون اللب والرعب والحقد فيه ، وكان ذلك أحسن لأنه إذا ذكره بهذه الكنايات كان قد شرفه وتميزه عن جميع الجسد بكون هذه الأشياء فيه ، وأنه أصاب هذا المرمى في أشرف موضع منه . ولو قال : أصبته في قلبه ؛ لم يكن في ذلك دلالة على أن القلب أشرف أعضاء الجسد ، فعلى هذا السبيل يحسن الإرداف . ومما يجري مجرى قول أبي عبادة قول غيره : « 2 »
الضاربين بكلّ أبيض مخذم * والطاعنين مجامع الأضغان
وفيما ذكرناه كفاية في الدلالة على كل ما هو من هذا الجنس .
هامش
( 1 ) هذا البيت من قصيدة له يذكر فيها قتله للذئب . وقد جاء في المطبوع : فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها ، وبينها وبين ما هو مثبت فرق واضح ، وانظر « ديوانه » ( 1 / 167 ) . ( 2 ) عمرو بن معد يكرب . وانظر « المعجم المفصل » ( 8 / 174 ) . والشاهد في قوله - مجامع ( الأضغان ) لأنه كناية عن القلب .
سر الفصاحة — صفحة 221 | عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي / داود غطاشة الشوابكة