تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
وقوله :
رجلاه في الركض رجل واليدان يد * وفعله ما تريد الكفّ والقدم « 1 »
وأمثال هذا له ولغيره كثير . وقد قال بشر بن المعتمر في وصيته : إياك والتّوعر في الكلام ، فإنه يسلمك إلى التعقيد ، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ، ويمنعك من مراميك . وحكى أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ عن بعض من وصف البلاغة فقال : ينبغي أن يكون الاسم للمعنى طبقا ، وتلك الحال له وفقا ، ولا يكون الاسم لا فاضلا ولا مقصرا ولا مشتركا ولا مضمنا . فهذا كله يدل على صحة ما قلناه ، وإن كانت الشبهة لا تعترض فيه لمتأمل . ومن نعوت البلاغة والفصاحة أن تراد الدلالة على المعنى ، فلا يستعمل اللفظ الخاص الموضوع له في اللغة ، بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى ضرورة ، فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع ، وهذا يسمى الإرداف « 2 » والتتبيع ؛ لأنه يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص بذلك المعنى وتابعه ، والأصل في حسن هذا أنه يقع فيه من المبالغة في الوصف ما لا يكون في نفس اللفظ المخصوص بذلك المعنى ، ومثاله قول عمر بن أبي ربيعة :
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل * أبوها وإما عبد شمس وهاشم « 3 »
فإنه إنما أراد أن يصف هذه المرأة بطول العنق ، فلو عبر عن ذلك باللفظ الموضوع له لقال : طويلة العنق ، فعدل عن ذلك وأتى بلفظ يدل عليه وليس هو الموضوع له ، فقال :
هامش
( 1 ) « ديوان المتنبي » ( 2 / 83 ) . ضمير رجلاه لجواده . ( 2 ) « نقد الشعر » لقدامة بن جعفر ، ص : 155 . ( 3 ) نوفل وعبد شمس وهاشم من أشراف قريش ، وهاشم جد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وانظر « المعجم المفصل » ( 7 / 376 ) .