تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
بعيدة مهوى القرط ، فدل ببعد مهوى قرطها على طول الجيد ، وكان في ذلك من المبالغة ما ليس في قوله : طويلة العنق ؛ لأن بعد مهوى القرط يدل على طول أكثر من الطول الذي يدل عليه - طويلة العنق - لأن كل بعيدة مهوى القرط طويلة العنق ، وليس كل طويلة العنق بعيدة مهوى القرط ، إذا كان الطول في عنقها يسيرا وهذا موضع يجب فهمه . ومنه قول امرئ القيس :
وتضحي فتيت المسك فوق فراشها * نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضّل « 1 »
فإنه لما أراد أن يصف ترفّه هذه المرأة ونعمتها قال : نؤوم الضحى يبقى فتيت المسك فوق فراشها لم تنتطق لتخدم نفسها ، فعبر بذلك عن غناها وترفّهها وخفض عيشها ، وأتى بألفاظ تدل على ذلك أبلغ مما يدل عليه قوله : إنها غنية مرفهة . وكذلك قوله :
وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل « 2 »
لأنه أراد أن يصف الفرس بالسرعة ، فلم يقل : إنه سريع ، وقال : قيد الأوابد ؛ وهي الوحوش ، أي : إنه إذا طلبها على هذا الفرس لحقها لسرعته ، فكأنه قيّدها له ، وفي هذا من المبالغة ما ليس في وصف الفرس بأنه سريع ؛ لأن الفرس قد يكون سريعا ولا يلحق الوحش حتى تصير بمنزلة المقيّدة له ، وقد استحسن الناس هذا اللفظ من امرئ القيس ، حتى قالوا : هو أول من قيّد الأوابد . وأصحاب صناعة البلاغة يذكرون « الإرداف » ولا يشرحون العلة في سببه وحسنه من المبالغة التي نبهنا عليها ، ومنه في النثر قول أعرابية وصفت رجلا فقالت : لقد كان فيهم عمّار ، وما عمّار ؟ طلّاب بأوتار ، لم تخمد له قطّ نار ، فأرادت بقولها : ( لم تخمد له
هامش
( 1 ) لم تنتطق : لم تشد نطاقا للعمل ، وعن تفضل : عن ثوب نوم ، شرح « ديوانه » ص 150 . ( 2 ) وكناتها : أعشاشها ، المنجرد : القصير الشعر ، هيكل : ضخم . شرح « ديوانه » ص 153 .