الطباق :
فأما تناسب الألفاظ من طريق المعنى فإنها تتناسب على وجهين : أحدهما : أن يكون معنى اللفظتين متقاربا ، والثاني : أن يكون أحد المعنيين مضادا للآخر أو قريبا من المضاد ، فأما إذا خرجت الألفاظ عن هذين القسمين فليست بمتناسبة ، وقد سمى أصحاب صناعة الشعر المتضاد من معاني الألفاظ - المطابق - وسماه أبو الفرج قدامة بن جعفر الكاتب - المتكافىء « 1 » - وأنكر ذلك عليه أبو القاسم الحسن بن بشر على ما حكيناه في المجانس ، وحكى أبو علي محمد بن المظفر الحاتمي عن أبي الفرج عليّ بن الحسين الأصفهاني ، قال : قلت لأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش : أجد قوما يخالفون في الطباق ، فطائفة تزعم - وهي الأكثر - أنه ذكر الشيء ومقابله وطائفة تخالف في ذلك وتقول : هو اشتراك المعنيين في لفظ واحد ، فقال : من هو الذي يقول هذا ؟ فقلت : قدامة ، فقال : هذا يا بني هو التجنيس ، ومن زعم أنه طباق فقد ادعى خلافا على الخليل والأصمعي ، فاتفق الأخفش والآمدي على مخالفة أبي الفرج في التسمية وسمى أصحاب صناعة الشعر ما كان قريبا من التضادّ - المخالف - وقسم بعضهم التضادّ ، فسمّى ما كان فيهما لفظتان معناهما ضدان كالسواد والبياض - المطابق - وسمى تقابل المعاني والتوفيق بين بعضها وبعض حتى تأتي في الموافق بما يوافق . وفي المخالف بما يخالف على الصحة - المقابلة - وسمى ما كان فيه سلب وإيجاب - السلب والإيجاب - ولم يجعله من المطابق ، ولكل من ذلك أمثلة سنذكرها ونوضحها ، فأما التسمية فلا حاجة بنا إلى المنازعة فيها ؛ لأن الغرض فهم هذه المناسبة دون الكلام في أحق الأسماء بها ، على أن الذي أختاره تسمية الجميع بالمطابق ، لأن الطّبق للشيء إنما قيل له : طبق ؛ لمساواته إياه في المقدار إذا جعل عليه أو غطي به ، وإن اختلف الجنسان ، وفي المثل : وافق شنّ طبقه ، ومنه طباق الخيل ، يقال : تطابق الفرس إذا وقعت رجلاه في موضع يديه في المشي والعدو وكذلك الكلاب ، قال النابغة الجعدي :
وخيل يطابقن بالدارعين * طباق الكلاب يطأن الهراسا « 2 »
وقد فسّر قول اللّه تعالى :
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[ الانشقاق : 19 ] .
هامش
( 1 ) « نقد الشعر » لقدامة ، ص : 143 .
( 2 ) الهراس : شوك مؤذ . انظر « المعجم المفصل في شواهد اللغة » ( 4 / 27 ) .