تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
بتماثل الحروف في فصوله ، والمذهب الصحيح أن السجع محمود إذا وقع سهلا متيسرا بلا كلفة ولا مشقة ، وبحيث يظهر أنه لم يقصد في نفسه ، ولا أحضره إلا صدق معناه دون موافقة لفظه ، ولا يكون الكلام الذي قبله إنما يتخيل لأجله ، وورد ليصير وصلة إليه ، فإنا متى حمدنا هذا الجنس من السجع كنا قد وافقنا دليل من كرهه وعملنا بموجبه ، لأنه إنما دل على قبح ما يقع من السجع بتعمّل وتكلّف ، ونحن لم نستحسن ذلك النوع . ووافقنا أيضا دليل من اختاره ؛ لأنه إنما دل به على حسن ما ورد منه في كتاب اللّه تعالى ، وكلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والفصحاء من العرب . وكان يحسّن الكلام ويبّين آثار الصناعة ، ويجري مجرى القوافي المحمودة . والذي يكون بهذه الصفات هو الذي حمدناه واخترناه ، وذكرنا أنه يكون سهلا غير مستكره ولا متكلّف . وقد حكى الجاحظ عن بشر بن المعتمر « 1 » أنه قال في وصيته في البلاغة : « إذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها ، ولا صائرة إلى مستقرها ، ولا حالّة في مركزها ، بل وجدتها قلقة في مكانها ، نافرة في موضعها ، فلا تكرهها على القرار في غير موطنها ، فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون ، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور ، لم يعبك بترك ذلك أحد ، وإذا أنت تكلّفتهما ولم تكن حاذقا فيهما ، عابك من أنت أقلّ عيبا منه ، وأزرى عليك من أنت فوقه » . وهذا كلام صحيح يجب أن يقتدى به في هذه الصناعة . وأما الفواصل التي في القرآن فإنهم سموها فواصل ولم يسموها أسجاعا وفرقوا فقالوا : إن السجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحمل المعنى عليه ، والفواصل التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة في أنفسها ، وقال علي بن عيسى الرماني : إن الفواصل بلاغة ، والسجع عيب ، وعلل ذلك بما ذكرناه من أن السجع تتبعه المعاني ، والفواصل
هامش
( 1 ) هو بشر بن المعتمر الهلالي البغدادي - أبو سهل - فقيه معتزلي ، من أهل الكوفة ، تنسب إليه الطائفة « البشرية » ، له مصنفات في الاعتزال منها قصيدة في أربعين ألف بيت رد فيها على جميع المخالفين ، مات ببغداد سنة 210 هجرية . وقد أورد الجاحظ صحيفة بشر بن المعتمر في كتابه البيان والتبيين 1 / 135 - 139 .