تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أحدهما : قول أبي نصر بن نباتة :
حتى إذا بهر الأباطح والرّبا * نظرت إليك بأعين النوّار « 1 »
فنظر أعين النّوار من أشبه الاستعارات وأليقها ، لأن النوّار يشبه العيون ، وإذا كان مقابلا لمن يجتاز فيه ويمر به كان كأنّه ناظر إليه ، وهذه الاستعارة الصحيحة الواضحة التشبيه . والبيت الثاني : قول أبي تمام :
قرّت بقرّان عين الدّين وانشترت * بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما « 2 »
وقرة عين الدين وانشتار عيون الشرك من أقبح الاستعارات ، لعدم الوجه الذي لأجله جعل للدين والشرك عيونا ، ومع تأمل هذين البيتين يفهم معنى الاستعاره ، لأنّ النوّار والشرك لا عيون لهما على الحقيقة ، وقد قبحت استعارة العيون لأحدهما وحسنت للآخر ، وبيان العلة فيه أن النوّار يشبه العيون ، والدين والشرك ليس فيهما ما يشبهها ولا يقاربها ، وهذه طريقة متى سلكت ظهر المحمود في هذا الباب من المذموم . وأما قول الشريف الرضي :
والحبّ داء يضمحلّ كأنّما * ترغو رواحله بغير لغام « 3 »
فقريب من قول زهير : أفراس الصبا ورواحله ، لكنه أبعد منه ، لأنه بنى عليه أمرا آخر غير قريب ، وهو قوله : إن رواحل الصبا ترغو ولا لغام لها ، وهذا المذهب الرديء في الاستعارة على ما قدّمناه . وقد أعاد أبو نصر بن نباتة قوله : نظرت إليك بأعين النوار ، في موضع آخر فقال :
هامش
( 1 ) « ديوان نصر بن نباتة » ( 2 / 483 ) . ( 2 ) شتر العين : قلب جفنها ، وشتر الشيء : قطعه ، واصطلم : استؤصل . « ديوان أبي تمام » 3 / 169 ، « الصناعتين » 335 ، « دلائل الإعجاز » 277 ، « أسرار البلاغة » 6 . ( 3 ) الرواحل : الإبل السائرة ، اللغام : الزبد الذي يخرج من أفواه الإبل . « ديوان الشريف الرضي » ( 2 / 295 ) وفي المطبوع : روازحه ، بدل رواحله .