إذا نظرت أرض الخليج بأعين * من النّور قامت للصوارم سوق « 1 »
وكلاهما واحد .
فأما قول الرضي :
رسا النسيم بواديكم ولا برحت * حوامل المزن في أجداثكم تضع
ولا يزال جنين النبت ترضعه * على قبوركم العرّاضة الهمع « 2 »
فمن أحسن الاستعارات وأليقها ، لأن المزن تحمل الماء ، وإذا هملت وضعته ، فاستعارة الحمل لها والوضع المعروفين من أقرب شيء وأشبهه ، وكذلك قوله : جنين النبت ؛ لأن الجنين المستور مأخوذ من الجنّة ، وإذا كان النبت مستورا والغيث يسقيه كان ذلك بمنزلة الرضاع ، وكانت هذه الاستعارات من أقرب ما يقال وأليقه .
وأما قول أبي ذؤيب الهذلي :
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع « 3 »
فليس من أحسن الاستعارات ولا أقبحها ، ولا أراه نظير ما اخترته من قول طفيل وذي الرمة وابن نباتة والشريف الرضي ، ولا الأمثلة البعيدة التي ذكرتها ، بل هو وسط وإن كان إلى الاختيار أقرب ، لما جرت به العادة من قولهم : علقت به المنية ونشبت وما أشبه ذلك ، ولأجل كثرة هذا حسن ، ولأنه مبني على غيره لم أجعله من أبلغ الاستعارات على ما قدمت ذكره .
هامش
( 1 ) « ديوان نصر بن نباتة » ( 1 / 199 ) .
( 2 ) العراضة : السحاب العريض ، والمهمع : الماطر . انظر « ديوان الرضي » ( 1 / 589 ) .
وفي المطبوع : أرسى ، بدل رسا . وفي المطبوع : العراصة ، بدل العراضة .
( 3 ) البيت من الكامل « ديوان الهذليين » 1 / 3 ، « تهذيب اللغة » 11 / 380 ، « العقد الفريد » 5 / 24 ، « معاهد التنصيص » 1 / 192 ، « المفضليات » 422 .