تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
من سفر لأنّه من أجل إمهاله لهم عاملهم كما يفعل الغائب عنهم إذا قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم به ، وفي هذا تحذير من الاغترار بالإمهال . وقوله تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
[ الحاقة : 11 ] . لأنّ حقيقة ( طغى ) علا ، والاستعارة أبلغ ، لأن - طغى - علا قاهرا ، وكذلك :
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
[ الحاقة : 6 ] . لأنّ حقيقة ( عاتية ) شديدة ، والعتو أبلغ ؛ لأنه شدة فيها تمرد . وقوله عز اسمه :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[ يس : 37 ] . لأن انسلاخ الشيء عن الشيء هو أن يتبرأ منه ويزول عنه حالا فحالا ، وكذلك انفصال النهار عن الليل ، والانسلاخ أبلغ من الانفصال لما فيه من زيادة البيان ، وقوله عز وجل :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
[ التكوير : 18 ] لأنّ تنفسه هنا مستعار ، وحقيقته بدأ انتشاره ، و ( تنفس ) أبلغ لما فيه من التروح عن النفس ، وقوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
[ الاسراء : 29 ] . وحقيقته لا تمنع نائلك كل المنع ، والاستعارة أبلغ ؛ لأنّه جعل منع النائل بمنزلة غل اليد إلى العنق ، وحال المغلول أظهر ، وأمثال هذا في كتاب اللّه كثيرة ، وهو جار على عادة العرب المعروفة في الاستعارة . ومنه قول طفيل الغنوي :
وجعلت كوري فوق ناجية * يقتات شحم سنامها الرّحل « 1 »
فإن استعارة هذا البيت مرضية عند جماعة العلماء بالشعر ، لأن الشحم لما كان من الأشياء التي تقتات ، وكان الرحل يتخوّنه ويذيبه ، كان ذلك بمنزلة من يقتاته ، وحسنت استعارته القوت للقرب والمناسبة والشبه الواضح .
هامش
( 1 ) شاعر جاهلي من قبيلة غني ، كان يلقب طفيل الخيل بسبب كثرة وصفه الخيل . « معجم الشعراء » 147 ، 184 . الكور : رحل البعير ، والناجية الناقة السريعة . يقتات : يأكل . البيت في « العمدة » 1 / 274 ، و « الصناعتين » 283 ، والبديع » 10 ، و « أنوار الربيع في أنواع البديع » 1 / 248 .