تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وكذلك قول ذي الرمة في إحدى الروايات :
أقامت به حتى ذوى العود والثرى * ولفّ الثريا في ملاءته الفجر « 1 »
لأن الفجر لما غطى الليل ببياضه وشمل الأرض عند طلوعه حسنت استعارة الملاءة له لتضمنها هذا المعنى ، وعبر بطلوع الثريا وقت طلوع الفجر بأنه لفها في ملاءته ، وتلك أحسن عبارة وأوضح استعارة . وقد اختار أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي « 2 » الكاتب من جملة الاستعارة قول امرئ القيس :
فقلت له لما تمطّى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل « 3 »
وقال : إن هذه الاستعارة في غاية الحسن والجودة والصحة ، لأنه إنما قصد وصف أحوال الليل الطويل ، فذكر امتداد وسطه وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث وترادف أعجازه وأواخره شيئا فشيئا ، قال : وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئاته ، وذلك أشد ما يكون على من يراعيه ويترقّب تصرّمه ، فلما جعل له وسطا يمتد وأعجازا رادفة للوسط استعار له اسم الصلب وجعله متمطّيا من أجل امتداده ، لأن قولهم : تمطّى وتمدد بمنزلة واحدة ، وصلح أن يستعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه ، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة ، لملاءمة معناها لمعنى ما استعيرت له « 4 » . وهذا الذي قاله أبو القاسم لا أرضى به غاية الرضى ، ولو كنت أسكن إلى تقليد أحد
هامش
( 1 ) « ديوان ذي الرمة » ص 102 ، « مجالس العلماء » للزجاجي 337 . ( 2 ) هو الحسن بن بشر بن يحيى الأمدي - أبو القاسم - عالم بالأدب ، راوية ، من الكتاب ، وله شعر . ولد بالبصرة وتوفي سنة 370 هجرية من كتبه « المؤتلف والمختلف » و « الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري » و « معاني شعر البحتري » . ديوان امرئ القيس ص 117 . ( 3 ) « شرح ديوان امرئ القيس » 151 ، « دلائل الإعجاز » 54 ، 232 ، 295 ، « شرح شواهد الألفية » 4 / 127 . تمطّى : تمدّد . صلبه : ظهره . ( 4 ) « الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري » 1 / 266 .
سر الفصاحة — صفحة 116 | عبد الله بن سعيد الخفاجي الحنفي / داود غطاشة الشوابكة