تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الفصاحة — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
حتى خضبت بما تحدّر من دمي * أكناف سرجي أو عنان لجامي
فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه ؟ فأما قولهم : إنه أراد من دمي أي : من دم قومي وبني عمي ؛ فمبالغة منهم في التعسف والعدول عن وجه الكلام ، ليستمر لهم أن يكون فاسدا غير صحيح ، وهذا الذي ذكره أبو العلاء وسبق إليه له وجه يجب تقبله واتباعه فيه ، وفحوى كلام قطري يدل على أنه أراد أنه جرح ولم يمت إعلاما أن الإقدام غير علة في الحمام ، وحثا على الشجاعة ونهيا عن الفرار . ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه ، ولو حمل على ظاهره كان صوابا صحيحا ، وما أعرف من حمل كافة المفسرين قول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعزّ وأطول « 1 »
على وجهين : أحدهما : أن يكون أعز وأطول بمعنى عزيزة طويلة ، والثاني : أعز وأطول من بيتك يا جرير ، فيتعسّفون في التأويل ، ومراد الشاعر أوضح من أن يخفى ، وأشهر من أن يجهل وهو أعز وأطول من السماء التي ذكرها في أول البيت ، وإنما جاء بها لهذا الغرض ، وهذا مبالغة في الشعر معروفة مستعملة ، وليست بالمكروهة ولا الغريبة .
هامش
( 1 ) « ديوان الفرزدق » 417 ، « شرح المفصل » 6 / 97 ، 99 ، « خزانة الأدب » 3 / 486 ، « شرح شواهد شروح الألفية » للعيني 4 / 43 ، « معاهد التنصيص » 2 / 37 ، « شرح الأشموني » 3 / 51 .