فإن تضمنت الصلة والصفة جواب الشرط لم تدخل الفاء في آخر الكلام ، وذلك قولك : الذي إن يزرني أزره له درهم ، ولو قلت هنا فله درهم لم يجز ، لأن الشرط لا يجاب دفعتين . وكذلك : كل رجل إن يزرني أكرمه له درهم ، ولا يجوز فله درهم ، لأن الصفة قد تضمنت الجواب ، فلم يحتج إلى إعادته . ولو قلت الذي أبوه أبوك فزيد ، لم يجز ، لأنه لم يتقدم في الصلة ما يصح به الشرط . وكذلك لو قلت : كل إنسان فله درهم ، لم يجز ، لأنه لم يتقدم صفة يستفاد منها معنى الشرط ، فجرى هذان في الامتناع مجرى قولك : زيد فقائم ، وعمرو فمنطلق ، فاعرفه .
فهذه أيضا حال الفاء إذا خلصت للاتباع ، وتجرّدت من العطف ، وهي في الكلام كثيرة جدا ، وقد بينت لك رسومها " 1 " ، وأوضحت وجوهها ، لتتناول الأمر من قرب .
فإن قيل : إذا صحّ بما قدمته حال الفاء في كونها عاطفة ومتبعة ، فهل دلالتها على الأمرين سواء ؟ أم هل لها اختصاص بأحدهما ؟
فالجواب : أن أخصّ هذين المعنيين بالفاء إنما هو الاتباع دون العطف . وذلك أنها إذا كانت عاطفة فمعنى الاتباع موجود فيها ، نحو ضربته فبكى ، وأحسنت إليه فشكر . وقد تتجرّد من معنى العطف فيما قدمنا ذكره من الجزاء ، وهذه الأماكن التي أحدها بيت امرئ القيس :
فهل عند رسم دارس من معوّل " 2 "
فلما كان الاتباع لا يفارقها ، والعطف قد يفارقها ، كان أخصّ معنييها بها الاتباع ، لملازمته لها .
وأما وجه زيادتها فقد جاء مجيئا صالحا .
أخبرنا أبو عليّ " 3 " أن أبا الحسن " 4 " حكى عنهم : أخوك فوجد ، يريد أخوك وجد
هامش
( 1 ) رسومها : جمع رسم ، ويقصد به حدودها . مادة ( رسم ) . اللسان ( 3 / 1646 ) .
( 2 ) تقدم شرح البيت والتعليق عليه وإعراب الشاهد فيه .
( 3 ) أبو علي هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي ، أستاذ ابن جني .
( 4 ) وأبو الحسن : هو سعيد بن مسعدة المجاشعي الأخفش الأوسط .