تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العلل في النحو — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
فلما كانت هذه الأفعال متضمنة لمعنى النفي ومن شرط النفي إذا دخل عليه نفي صار إيجابا ألا ترى أن قول القائل : ما زال زيد ذاهبا معناه أنه ذاهب فلهذا خصت بالنفي ، وغيرها من الأفعال لا تتضمن النفي وإنما هي للإيجاب المحض نحو : كان ، وأصبح وما أشبههما ، فإن أردت الإيجاب جردتهما من حروف النفي ، فإن أردت النفي أدخلت ( ما ) فاعلمه . واعلم أن كان تستعمل على ثلاثة أوجه « 1 » : أحدها : أن ترفع الاسم وتنصب الخبر ، كما « 2 » ذكرناه ، فهذه إنما هي عبارة عن الزمان فقط . والوجه الثاني : أن تقع ملغاة من العمل والمعنى ، وقد تكون ملغاة من العمل دون المعنى ، وأحسن ذلك فيها إذا أردت الإلغاء أن تؤخرها أو توسطها ، فمما جاءت فيه ملغاة في المعنى واللفظ الإلغاء بعد التوكيد وتحسين اللفظ قوله تعالى :
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
[ مريم : 19 / 29 ] « 3 » ، والمعنى كيف نكلم من صار في المهد صبيا ، فصبيا نصب على الحال والعامل فيه نكلم والتقدير : كيف نكلم من هو في المهد في حال الصبا ، ولو جعلت كان معنى الماضي يخرج عيسى عليه السّلام من أن يكون له اختصاص بهذا الحكم من بين سائر الناس ، ألا ترى أن جميع الناس قد كانوا صبيانا في المهود فدل بعجب القوم من قول مريم أن عيسى عليه السّلام يتكلم في حال الصبا « 4 » فأما ما تدخل فيه ملغاة في العمل دون المعنى فنحو قولك : زيد كان قائم ، والمعنى زيد قائم كان ، فقد أفادت ( كان ) معنى المضي وإن لم تعمل . واعلم أن ( كان ) متى ألغيت فلا بد لها من فاعل في
هامش
( 1 ) للتفصيل انظر شرح ابن عقيل على الألفية 1 / 288 . ( 2 ) كتبت في الأصل : كاما . ( 3 ) والآية :فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ،ذكر العكبري في التبيان الوجوه المختلفة في إعرابها ؛ فذكر الحال ، وزيادة كان ، كما ذكر كونها تامة وناقصة وبمعنى صار . ووجه الحال لا يحوج إلى معنى صار . انظر : إملاء ما منّ به الرحمن 113 . ( 4 ) وهذا الكلام مطابق تماما لما قال المبرد في المقتضب 4 / 117 - 118 ( لجنة إحياء التراث ) .