تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
فلا شك أن سكره على هذه الصفة محال ، لكن حسّنه الهزل لمجرد سرور المجالس ومضاحكته ، والمردود ما جرى من الاعتبارات المتقدمة كقول أبي نواس يمدح هارون الرشيد :
وأخفت أهل الشرك حتى إنه * لتخافك النّطف التي لم تخلق
وقول أبي الطيب :
كأني دحوت الأرض من خبرتي بها * كأني بنى الإسكندر السد من عزمي
شبه نفسه بالخالق جل وعلا في دحوه الأرض ، ثم فجأة نزل إلى الحضيض فشبه نفسه بالإسكندر .

المذهب الكلامي " 1 "

هو أن يأتي البليغ على صحة دعواه وإبطال دعوى خصمه بحجة عقلية قاطعة تصح نسبتها إلى علم الكلام . ولم يستشهد على هذا النوع بأعظم من شواهد القرآن ، فمن لطيف ذلك قوله عز وعلا :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
" 2 " ، إذ تمام الدليل : لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير اللّه . وقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
" 3 " لأن تحليل القياس : القمر آفل وربي ليس بآفل فالقمر ليس بربي . وقوله عليه السّلام : " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا " ، إذ تمام الدليل : لكنكم ضحكتم كثيرا وبكيتم قليلا فلم تعلموا ما أعلم . ويرى أن أبا دلف العجلي قصده شاعر تميمي ، فقال له : ممن أنت ؟ فقال : من تميم ، فقال أبو دلف :
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت سبل الهداية ضلت
فقال له التميمي : بتلك الهداية جئت إليك ، فأفحمه .
هامش
( 1 ) هذه التسمية تنسب للجاحظ . ( 2 ) المراد بالفساد خروجهما من النظام الذي هما عليه ( سورة الأنبياء ) . ( 3 ) أي بقياس حملي يفيد أن المجيء اليه ضلال ، لكن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب وأعذب في الذوق وأسهل في التركيب ( سورة الأنعام ) .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 339 | أحمد مصطفى المراغي