تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الكريم عادلا ، إلى المجاز ، تعظيما للمخاطب وتشريفا له عن أن يخاطب بلقبه ، أو المبالغة مع الايجاز ، كما تبين لك ذلك فيما سلف . ( ج ) ومما يرجع اليهما تحسين اللفظ ودقة المعنى من أجل أن الشيء إذا عرف من بعض الوجوه دون بعض تاقت النفس إلى تحصيل ما ليس بمعلوم لها ، وذلك لا يتسنى إلا عند التعبير بالمجاز ، أما عند التعبير بالحقيقة فيحصل العلم به من جميع الوجوه ، لا جرم كان التعبير بالمجاز أقرب إلى تحسين الكلام وتجميله .

أسرار البلاغة في المجاز العقلي

المجاز العقلي ضرب من التوسع في أساليب اللغة وفن من فنون الايجاز في القول ألا ترى أن إسناد الفعل إلى سبيله وجعله الفاعل المؤثر دليل على ما كان لهذا الأثر من شديد الصلة في صدور الفعل ، وكأنه هو الذي صدر منه . انظر إلى قول ابن الرومي :
أرى الشعر يحيي الناس والمجد بالذي * تبقيه أرواح له عطرات فما المجد لولا الشعر إلا معاهد * وما الناس إلا أعظم نخرات
تره قد جعل حياة الناس ومآثرهم رهينة الشعر بما ينشر من فضائلهم ويذكره من جليل إحسانهم وعظيم إنعامهم فيبقى على كر الغداة ومر العشي . وكذلك تجد ما في نسبة الحادث ، إلى زمانه أو مكانه ، من دلالة على التعميم والشمول ، فإن الفعل إذا أريد بيان شموله وأنه يعمّ كل من يكنه المكان أو يحيط به الزمان نسب إلى المكان أو الزمان ، تأمل قوله تعالى على لسان زكريا عليه السّلام :
إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
" 1 " ، تره أراد أن يجعل الشيب قد عمّ رأسه حتى صار كأنه نار ، أضاف الاشتعال إلى الرأس لا إلى الشعر مع أن المقصود هو بيان ابيضاض الشعر . وانظر إلى طرفة بن العبد تره قد نسب إبداء المجهول إلى الأيام وهي لا تظهره بل يظهر فيها ، ويستبين من أمره ما كان خفيا ، في قوله :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا * ويأتيك بالأخبار من لم تزود
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية 4 .