تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
فقد جعل الزيادة والوفور حياة للمال وتفريقه في العطاء قتلا له ، ثم أثبت الإحياء فعلا للصوارم والقتل فعلا للتبسم ، مع أن كلا منهما لا يصح منه الفعل . وقد وقع هذا المجاز في التنزيل نحو :
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً
" 1 " ، فقد نسبت الزيادة إلى الآيات لكونها سببا ، ونحو :
( يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ )
نسب الذبح إلى فرعون لأنه الآمر به والسبب فيه ، ونحو :
يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
" 2 " ، فقد أسند الفعل إلى الظرف لوقوعه فيه . ( قرينته ) قرينة هذا المجاز إما لفظية ، كقول أبي النجم العجلي :
ميز عنه قنزعا عن قنزع * جذب الليالي أبطىء أو أسرعي " 3 "
فقد استدللنا على أن إسناد ميز إلى جذب الليالي مجاز بقوله بعده :
أفناه قيل اللّه للشمس اطلعي * حتى إذا وأراك أفق فارجعي
فإنه يدل على أن ذلك فعل اللّه ، وأنه هو المفتى ، فيكون إسناده إلى جذب الليالي من الاسناد إلى الزمان . وإما غير لفظية ، كاستحالة صدور المسند من المسند اليه ، أو قيامه به عقلا ، نحو : محبتك جاءت بي إليك ، أو عادة نحو : بنى الوزير القصر ، وكصدور الكلام من الموحد ، كما في إسناد الإشادة والافناء إلى كر الغداة في قوله الصلتان للعبدي :
أشاب الصغير وأفنى الكبير * كر الغداة ومر العشي إذا ليلة هرمت يومها * أتى بعد ذلك يوم فتى
( تنبيهات ) الأول قال عبد القاهر : هذا الضرب من المجاز ، على حدته ، كنز من كنوز البلاغة ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان ، ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول : أتى بي الشوق إلى لقائك ، وسار بي الحنين إلى رؤيتك ، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان ،
هامش
( 1 ) سورة الأنفال الآية 2 . ( 2 ) سورة المزمل الآية 17 . ( 3 ) ميز : فصل ، وعنه أي عن رأسه ، والقنزح : الشعر المجتمع في نواحي الرأس ، وجذب الليالي : مضيها وتعاقبها ، وابطىء أو أسرعي حال من الليالي على تقدير القول .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 294 | أحمد مصطفى المراغي