تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
وذلك أنه لما رأى استمرار وصف الأخلاق بالضيق وبالسعة ، تعمد تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم بادعاء أنه في السعة أكمل من الأرض المتباعدة الأطراف ، وقوله تعالى حكاية عن مستحلي الربا : إنما البيع مثل الربا ، إذ مقتضى الظاهر أن يقال : إنما الربا مثل البيع ، لكنهم خالفوا ذلك ذهابا منهم إلى جعل الربا في الحل أقوى حالا من البيع . ومنه قول البحتري :
في طلعة البدر شيء من محاسنها * وللقضيب نصيب من تئنيها
وقوله في وصف بركة المتوكل :
كأنها حين لجت في تدفقها * يد الخليفة لما سال واديها
وكل هذا إذا أريد إلحاق الناقص في وجه الشبه حقيقة ، أو ادعاء بالزائد فيه فإن أريد مجرد الجمع بين شيئين في أمر جاز التشبيه ، ولكن الأحسن تركه والعدول إلى التشابه ليكون كل من الطرفين مشبها ومشبها به احترازا من ترجيح أحد المتساويين على الآخر ، كما فعل أبو إسحاق الصابي في قوله :
تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي * فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب فو اللّه ما أدري أبالخمر أسلبت * جفوني أم من عبرتي كنت أشرب " 1 "
ويجوز التشبيه أيضا كتشبيههم غرة الفرس بالصبح وعكسه متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه ، من غير قصد ، إلى المبالغة في وصف الغرة بالضياء وفرط التلألؤ ، ونحو ذلك ، وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة ، أو الدينار الخارج من السكة ، كما قال ابن المعتز :
وكأن الشمس المنيرة دينا * ر جلته حدائد الضراب
وعكسه متى أريد استدارة متلألىء متضمن لخصوص في اللون ، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة ، والدينار وبين الجرمين ، إذ ليس شيء من ذلك بمنظور اليه في التشبيه .
هامش
( 1 ) سكب الدمع : إرساله ، وأسبل الدمع والمطر إذا مطل .
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 237 | أحمد مصطفى المراغي