تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠

أثر التشبيه في النفس

قال المبرد في " الكامل " : التشبيه جار كثيرا في كلام العرب حتى لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد ، قال اللّه عز وجل وله المثل الأعلى في الزجاجة :
كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
" 1 " . وقال أبو هلال في " الصناعتين " : التشبيه يزيد المعنى وضوحا ، ويكسبه تأكيدا ، ولهذا أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه ، ولم يستغن أحد عنه . وسر هذا أن للخيال نصيبا كبيرا فيه ، فهو يفتنّ حتى لا يقف عند غاية ، وأنه يعمل عمل السحر في إيضاح المعاني وجلائها ، فهو ينتقل بالنفس من الشيء الذي تجهله ، إلى شيء قديم الصحبة ، طويل المعرفة ، وغير خاف ما لهذا من كثير الخطر ، وعظيم الأثر . انظر قوله عليه السّلام في ذم من يعلم الخير ولا يعمل به : " مثل الذي يعلم الخير ولا يعمل به مثل السراج يضيء للناس وهو يحترق " . وإنك لترى فيه تشنيع حال من اتصف به ، وكأنك تشاهد النار وهي تعلق به وتأخذ منه بالنواصي والأقدام . وتأمل قول أبي العلاء المعري :
إن الشبيبة نار إن أردت بها * أمرا فبادره إن الدهر مطفيها
تجده جعل عزيمة الشباب الوثابة المتحفزة للعمل كالنار ، يمتد لهيبها ، ويشتد أوارها ، لكنها لا تلبث حتى تخمد جذوتها ، وينطفئ ذلك اللهب المتقد ، ومن ثم طلب إلى الشباب البدار إلى نيل المآرب ، وعدم التواني في درك المقاصد . وإلى قول مهيار الديلمي :
وبعض مودات الرجال عقارب * لها تحت ظلماء العقوق دبيب
تره صور بعض المودات بصورة عقارب ، تسير في الظلماء على غير هدى ، وتنفث سمومها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا .
هامش
( 1 ) سورة النور الآية 35 .