تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ولذلك فليست العمدة في معرفة قواعد النحو وحدها ولكن فيما تؤدى إليه هذه القواعد والأصول . وقد يكون أحدنا لا يعرف التسميات الدقيقة لموضوعات النحو ، ولكنه يعرف الفروق بينها ويحس بمعانيها حينما يسمعها ، شأنه في ذلك شأن البدوي الذي عاش بعيدا عن المصطلحات وما تعنى به كتب النحو غير أنه كان يفهم ما يسمع ويميز بين أسلوب وآخر . وليست المزية باللغة ومعرفتها ، لأنّ ذلك لا يؤدى إلى التفاوت بين الكلام ، ولا من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى اللغة ، ولكن للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها . وليست بسلامة الحروف ، وإنّما بالنظم الذي يعطى الكلمات والإعراب معنى دقيقا . والنظم مراتب ، فمنه ما لا نرى المزية فيه إلّا بعد قراءة القطعة الشعرية كقول البحتري :
بلونا ضرائب من قد نرى * فما إن رأينا لفتح ضريبا هو المرء أبدت له الحادثا * ت عزما وشيكا ورأيا صليبا تنقّل في خلقي سؤدد * سماحا مرجّى وبأسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا * وكالبحر إن جئته مستثيبا
ففي هذه الأبيات تلاحقت الصور وضم بعضها إلى بعض . ومنه ما يهجم الحسن دفعة واحدة حتى يعرف من البيت الواحد مكان الشاعر من الفضل وموضعه من الحذق ، ويشهد له بالفضل حتى يعلم أنّ البيت من قبل شاعر فحل وأنّه خرج من تحت يد صناع . ومن النظم ما يتحد في الوضع ويدق فيه الصنع وذلك أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض ويشتد ارتباط ثان منها بأول ، وأن يحتاج في الجملة إلى أن توضع في النفس وضعا واحدا وأن يكون الحال فيها حال الباني يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك . ومنه ما لا يحتاج إلى فكر وروية لكي ينتظم ، بل سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغى أكثر من أن يمنعها التفرق ، وكمن نضد أشياء
أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 74 | أحمد مطلوب