تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أساليب بلاغية ( الفصاحة ، البلاغة ، المعاني ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
موصوف بفصاحة لأنّه ضدها لمكان قبحه . ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء ليس منها حسن ومنها قبيح ، ولما لم يكن كذلك علم أنّها تخص اللفظ دون المعنى . وابن الأثير لم يفصل بين اللفظ والمعنى في هذا القول وإنّما خصّ اللفظ بصفة هي له ، والمعنى يجئ فيه ضمنا وتبعا . وأشار إلى الفصاحة عند المتقدمين فقال : « وقد ذكر من تقدّمنى من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيئات تتصف بها ، واختلفوا في ذلك ، واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه وكذلك استقبح الآخر شيئا فخولف فيه ، ولو حققوا النظر ووقفوا على السر في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شئ منها » « 1 » . وردّ رأى من ذهب إلى أنّ كل الألفاظ حسن وقال : « ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة « الغصن » ولفظة « العسلوج » ، وبين لفظة « المدامة » ولفظة « الاسفنط » وبين لفظة « السيف » ولفظة « الخنشليل » ، وبين لفظة « الأسد » ولفظة « الفدوكس » ، فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب ولا يجاوب بجواب ، بل يترك وشأنه كما قيل : « اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر « 2 » في رحله » . وما مثاله في هذا المقام إلّا كمن يسوّى بين صورة زنجية سوداء شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة وشعر قطط « 3 » كأنه زبيبة ، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة ذات خد أسيل وطرف كحيل ، ومبسم كأنما نظم من أقاح ، وطرة كأنها ليل على صباح . فإذا كان بانسان من سقم النظر أن يسوّى بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم النظر أن يسوى بين هذه الألفاظ وهذه . ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام فان هذا حاسة وهذا حاسة ، وقياس حاسة على حاسة مناسب » .
هامش
( 1 ) المثل السائر ، ج 1 ص 148 . ( 2 ) الجعر : ما يبس من العذرة في المجعر أي الدبر ، أو نحو كل ذات مخلب من السباع . ( 3 ) الشعر القطط : القصير الجعد .