فأيقنت أن الطّرف قد قال مرحبا * وأهلا وسهلا بالحبيب المتيّم
فإنما نفى الكلام اللفظيّ ، لا مطلق الكلام ، ولو أراد بقوله « ولم تتكلم » نفي غير الكلام اللفظيّ لانتقض بقوله « فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا » ؛ لأنه أثبت للطرف قولا ، بعد أن نفى الكلام ، والمراد نفي الكلام اللفظي ، وإثبات الكلام اللّغوي .
والدليل عليه فيما نطق به لسان الحال قول نصيب :
شرح
ألا قل لهند : احرجي وتأثّمي * ولا تقتليني ، لا يحلّ لكم دميالإعراب : « أشارت » فعل ماض اتصل بتاء التأنيث ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي ، « بطرف » جار ومجرور متعلق بأشارت ، وطرف مضاف و « العين » مضاف إليه ، « خيفة » مفعول لأجله ، وهو مضاف وأهل من « أهلها » مضاف إليه ، وأهل مضاف وضمير الغائبة مضاف إليه ، « إشارة » مفعول مطلق يبين نوع العامل ، وإشارة مضاف ، و « مخزون » مضاف إليه ، « ولم » الواو عاطفة ، لم : حرف نفي وجزم وقلب ، « تتكلم » فعل مضارع مجزوم بلم ، وعلامة جزمه السكون ، وحرك بالكسر لأجل الرويّ ، « أيقنت » فعل وفاعل ، « أن » حرف توكيد ونصب ، « الطرف » اسم أن ، « قد » حرف تحقيق ، « قال » فعل ماض ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الطرف ، والجملة في محل رفع خبر أن ، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوب مفعول به لأيقن ، « مرحبا » مفعول مطلق لفعل محذوف ، وتقديره : أرحب مرحبا أي أرحب بك ترحيبا ، « وأهلا وسهلا » كل منهما مفعول به لفعل محذوف : أي صادفت أهلا ولقيت مكانا سهلا ، « بالحبيب » جار ومجرور متعلق بقوله مرحبا ، « المتيم » نعت للحبيب .
الشّاهد فيه : أنت ترى أن الشاعر في هذين البيتين قد أثبت أولا الإشارة بطرف العين ، ثم نفى الكلام في قوله « ولم تتكلم » ، ثم سمى بعد ذلك إشارة العين قولا ، وحكى في تفسير هذا القول والدلالة عليه جملا مفيدة ؛ فلو أنك حملت الكلام المنفي على الكلام المطلق - أي ما يعم اللفظي والنفسي والإشارة ونحوها - لأصبح كلام هذا الشاعر ينقض بعضه بعضا ؛ إذ كيف ينفي الكلام بالإشارة وهو يثبت بعد ذلك أن هذه الإشارة قول ، وهو قد عبر عن مدلولها بجمل متعددة ذوات معان مفيدة ؟ وإذا كان الأمر بهذه المثابة لزمنا أن نحمل الكلام المنفي على نوع خاص من الكلام لا يكون هو الذي أثبته فيما بعد ذلك ، وليكن المنفي هو الكلام اللفظي ، والمثبت هو الذي حدث عنه أولا بأنه إشارة بطرف العين ، فدل ذلك على أن الإشارة يصح أن يطلق عليها في اللغة « كلام » وهذا الكلام - بعد هذا الذي بيناه - في غاية الوضوح فافهمه .