تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
[ بالمفعول ]
يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ
[ الرعد ، 23 ] ، ف « من » : عطف على الواو من « يدخلونها » وجاز ذلك للفصل بينهما بضمير المفعول . ومثال العطف من غير توكيد ولا فصل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كنت وأبو بكر وعمر » و « فعلت وأبو بكر وعمر » وقول بعضهم : « مررت برجل سواء والعدم » ف « سواء » صفة لرجل ، وهو بمعنى مستو ، وفيه ضمير مستتر عائد على رجل ، و « العدم » معطوف على ذلك الضمير ، ولا يقاس على هذا ، خلافا للكوفيين « 1 » .
هامش
( 1 ) مذهب جمهور البصريين التفصيل ، وحاصله أن الضمير المرفوع إما أن يكون بارزا منفصلا ، وإما أن يكون بارزا متصلا ، وإما أن يكون مستترا في رافعه ، فإن كان منفصلا جاز العطف عليه بغير فصل بينه وبين المعطوف ، تقول : ما أكرمك إلا أنا وخالد ، وإن كان متصلا أو مستترا في رافعه لم يجز العطف عليه إلا مع الفصل بينه وبين المعطوف ، ويكثر الفصل بواحد من ثلاثة أشياء : أولها الضمير المنفصل ، نحو قوله تعالى :لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ[ الأنبياء ، 54 ] ، ونحو قوله جل ذكرهاسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[ البقرة ، 35 ] - وثانيها مفعول رافع الضمير ، نحو قولك : أكرمتك وزيد ، وقوله تعالى :يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ[ الرعد ، 23 ] - وثالثها لا النافية ، نحو قوله جل شأنهلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا[ الأنعام ، 148 ] - ومذهب جمهور الكوفيين أنه يجوز العطف على الضمير المرفوع بارزا كان أو مستترا ، منفصلا كان أو متصلا ، مع الفصل بينه وبين المعطوف ومن غير الفصل بينهما ، واستدلوا على ذلك بمجيئه في كلام العرب الموثوق بعربيتهم ، فمن ذلك ما حكاه سيبويه رحمه اللّه من قولهم : مررت برجل سواء والعدم - برفع العدم معطوفا على الضمير المستتر في سواء ، لأنه بمعنى اسم الفاعل - ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن عباس قال : إني مع قوم ندعو اللّه لعمر بن الخطاب - وقد وضع على سريره - إذا رجل من خلفي مرفقه على منكبي يقول : رحمك اللّه ، إني لأرجو أن يجعلك اللّه مع صاحبيك ؛ لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : كنت وأبو بكر وعمر ، وانطلقت وأبو بكر وعمر ، قال ابن عباس : فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب ، ومن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي :قلت إذ أقبلت وزهر تهادى * كنعاج الفلا تعسّفن رملافقوله « وزهر » معطوف على الضمير المرفوع المستتر في « أقبلت » وتقديره هي . ومن ذلك قول جرير بن عطية بن الخطفي يهجو الأخطل التغلبي النصراني :ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه * ما لم يكن وأب له لينالافقوله « وأب » معطوف بالواو على الضمير المرفوع المستتر في « يكن » وتقديره هو يعود إلى الأخيطل الذي هو تصغير الأخطل . والبصريون يحملون جميع ذلك على الضرورة ، ونحن نرى أن حمل هذه الشواهد - مع أن فيها ما ليس من الشعر في شيء - على أنها ضرورة أو شاذة مما لا يجمل الأخذ به ، وعلى هذا يكون مذهب الكوفيين في هذه المسألة أقوم حجة ، وأظهر دليلا ، من مذهب البصريين وإن نصره المؤلف تبعا لابن مالك .
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب — صفحة 454 | ابن هشام الأنصاري