رؤية محاسنه وآثاره ، ومطلق السماع كناية عن سماع أخباره وكقول عمرو بن معديكرب :
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم * نطقت ، ولكن الرماح أجرّت " 1 "
لأن غرضه أن يثبت أنه كان من الرّماح إجرار وحبس للألسن عن النطق بمدحهم والافتخار بهم ، حتى يلزم منه بطريق الكناية مطلوبه وهو أنها أجرّته ، وكقول طفيل الغنويّ لبني جعفر بن كلاب :
جزى اللّه عنّا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين ، فزلّت " 2 "
أبوا أن يملّونا ، ولو أن أمنا * تلاقي الذي لا قوه منّا لملّت
هم خلطونا بالنفوس ، وألجأوا * إلى حجرات أدفأت وأظلّت
فإن الأصل : لملّتنا ، وأدفأتنا ، وأظلتنا ، إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدلّ على مطلوبه بطريق الكناية .
فإن قلت : لا شك أن قوله ألجأوا أصله ألجأونا فلأيّ معنى حذف المفعول منه ؟
قلت : الظاهر أن حذفه لمجرد الاختصار ؛ لأن حكمه حكم ما عطف عليه وهو قوله : " خلطونا " .
الضرب الثاني : أن يكون الغرض إفادة تعلّقه بمفعول ، فيجب تقديره بحسب القرائن ، ثم حذفه من اللفظ .
إما للبيان بعد الإبهام ، كما في فعل المشيئة إذا لم يكن في تعلّقه بمفعوله غرابة ، كقولك : لو شئت جئت أو لم أجىء ، أي لو شئت المجيء أو عدم المجيء ؛ فإنك متى قلت : " لو شئت " علم السامع أنك علقت المشيئة بشيء ، فيقع في نفسه أن هنا شيئا تعلّقت به مشيئتك بأن يكون أو لا يكون ، فإذا قلت : " جئت " أو " لم أجىء " عرف ذلك الشيء ، ومنه قوله تعالى :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : الآية 149 ] ، وقوله تعالى :
فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ
[ الشّورى : الآية 24 ] ، وقوله تعالى :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ
[ الأنعام : الآية 39 ] .
وقول طرفة : [ بن العبد ]
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 73 ، ولسان العرب ( جرر ) ، ومقاييس اللغة 1 / 411 ، ومجمل اللغة 1 / 389 ، وتهذيب اللغة 10 / 476 ، وتاج العروس ( جرر ) ، وبلا نسبة في كتاب العين 6 / 114 .
( 2 ) الأبيات من الطويل ، والبيت الأول بلا نسبة في لسان العرب ( شرف ) .