تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
فإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت * مخافة ملويّ من القدّ محصد " 1 "
وقول البحتري :
لو شئت عدت بلاد نجد عودة * فحللت بين عقيقه وزروده " 2 "
وقوله : [ البحتري ]
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم * كرما ، ولم تهدم مآثر خالد " 3 "
فإن كان في تعليق الفعل به غرابة ذكرت المفعول ؛ لتقرّره في نفس السامع وتؤنسه به ، يقول الرجل يخبر عن عزّه : لو شئت أن أردّ على الأمير رددت ، وإن شئت أن ألقى الخليفة كلّ يوم لقيته ، وعليه قول الشاعر : [ إسحاق بن حسان الخريمي ]
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته * عليه ، ولكن ساحة الصبر أوسع " 4 "
فأما قول أبي الحسين علي بن أحمد الجوهري أحد شعراء الصاحب بن عباد :
فلم يبق منّي الشوق غير تفكّري * فلو شئت أن أبكي بكيت تفكّرا " 5 "
فليس منه ؛ لأنه لم يرد أن يقول : فلو شئت أن أبكي تفكّرا بكيت تفكّرا ، ولكنه أراد أن يقول : أفناني النّحول ، فلم يبق منّي وفيّ غير خواطر تجول ، حتى لو شئت البكا ، فمريت جفوني ، وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده ، ولخرج منها بدل الدمع التفكّر ، فالمراد بالبكاء في الأول الحقيقي ، وفي الثاني غير الحقيقيّ ، فالثاني لا يصح لأن يكون تفسيرا للأول . وإما لدفع أن يتوهم السامع في أول الأمر إرادة شيء غير المراد ، كقول البحتري :
وكم ذدت عني من تحامل حادث * وسورة أيّام حززن إلى العظم " 6 "
إذ لو قال : " حززن اللحم " لجاز أن يتوهم السامع قبل ذكر ما بعده أن الحزّ كان في بعض اللحم ، ولم ينته إلى العظم ، فترك ذكر اللحم ؛ ليبرىء السامع من هذا الوهم ، ويصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يردّه إلا العظم .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان طرفة بن العبد ص 30 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان البحتري ص 812 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان البحتري ص 817 . ( 4 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان الخريمي ص 43 ، والكامل 3 / 204 ، والإشارات والتنبيهات ص 82 ، ودلائل الإعجاز ص 164 . ( 5 ) البيت في التلخيص ص 34 . ( 6 ) البيت في الإشارات والتنبيهات ص 82 ، والتلخيص ص 34 .