تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وأنتم من أهل العلم والمعرفة ، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم - من جعل الأصنام للّه أندادا - غاية الجهل . ومما عدّ السكاكي الحذف فيه لمجرد الاختصار قوله تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما
[ القصص : الآيتان 23 ، 24 ] والأولى أن يجعل لإثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق كما مر ، وهو ظاهر قول الزمخشري ؛ فإنه قال : ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل لا المفعول ، ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما كانتا على الذّياد وهم على السّقي ، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيّهم إبل مثلا ؟ وكذلك قولهما :
لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
[ القصص : الآية 23 ] المقصود منه : السّقي لا المسقيّ . واعلم أنه قد يشتبه الحال في أمر الحذف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل ، كما في قوله تعالى :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[ الإسراء : الآية 110 ] ؛ فإنه يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء ؛ فلا يقدّر في الكلام محذوف . وليس بمعناه ، لأن لو كان بمعناه لزم : إما الإشراك ، أو عطف الشيء على نفسه ؛ لأنه إن كان مسمّى الآخر لزم الأول ، وإن كان مسمّاهما واحد لزم الثاني ، وكلاهما باطل ، تعالى كلام اللّه عز وجل على ذلك . فالدعاء في الآية بمعنى التسمية التي تتعدى إلى مفعولين أي : سمّوه اللّه ، أو الرحمن ، أيّا ما تسمّوه فله الأسماء الحسنى ، كما يقال : " فلان يدعى الأمير " أي : يسمّى الأمير . وكما في قراءة من قرأ : " وقالت اليهود : عزير بن اللّه " بغير تنوين ، على القول بأن سقوط التنوين لكون الابن صفة واقعة بين علمين ، كما في قولنا : زيد بن عمرو قائم ؛ فإنه قد يظن أن فعل القول فيه لحكاية الجملة ، كما هو أصله ، فقيل : تقدير الكلام : عزير ابن اللّه معبودنا . وهذا باطل ، لأن التصديق والتكذيب إنما ينصرفان إلى الإسناد ، لا إلى وصف ما يقع في الكلام موصوفا بصفة ، كما إذا حكيت عن إنسان أنه قال : زيد بن عمرو سيّد ، ثم كذبته فيه ؛ لم يكن تكذيبك أن يكون زيد بن عمرو ، لكن أن يكون زيد سيدا ، فلو كان التقدير ما ذكر لكان الإنكار راجعا إلى أنه معبودهم ، وفيه تقدير أن عزيرا ابن اللّه - تعالى اللّه عن ذلك - فالقول في الآية بمعنى الذّكر ، لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشّرك إلى أنهم كانوا يذكرون عزيرا هذا
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 93 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني