تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
ومنه قول أبي تمام :
من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أنّي بنيت الجار قبل المنزل " 1 " ؟
وشهد رجل عند شريح ، فقال : إنك لسبط الشهادة ، فقال الرجل : إنها لم تجعّد عنّي ، فالذي سوّغ بناء الحار ، وتجعيد الشهادة ؛ وهو مراعاة المشاكلة ولولا بناء الدار لم يصحّ بناء الجار ، ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها ، ومنه قول بعض العراقيين في قاض شهد عنده برؤية هلال الفطر ، فلم يقبل شهادته : [ الصاحب بن عباد ]
أترى القاضي أعمى * أم تراه يتعامى ؟ ! " 2 " سرق العيد كأن * العيد أموال اليتامى
وأما الثاني فكقوله تعالى :
صِبْغَةَ اللَّهِ
[ البقرة : الآية 138 ] وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله :
آمَنَّا بِاللَّهِ
[ البقرة : الآية 8 ] والمعنى : تطهير اللّه ؛ لأن الإيمان يطهّر النفوس ، والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ، ويقولون : هو تطهير لهم ؛ فأمر المسلمون أن يقولوا لهم :
" قُولُوا : آمَنَّا بِاللَّهِ "
وصبغنا اللّه بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا ، وطهّرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا ، أو يقول المسلمون : صبغنا اللّه بالإيمان صبغة ، ولم يصبغ صبغتكم ، وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة ، وإن لم يكن قد تقدم لفظ الصبغ ؛ لأن قرينة الحال - التي هي سبب النزول ، من غمس النصارى أولادهم في الماء الأصفر - دلّت على ذلك ، كما تقول لمن يغرس الأشجار : اغرس كما يغرس فلان ، تريد رجلا يصطنع الكرام . ومنه الاستطراد ، وهو : الانتقال من معنى إلى معنى آخر متصل به لم يقصد بذكر الأول التوصل إلى ذكر الثاني ، كقول الحماسي : [ السموأل ]
وإنا لقوم ما نرى القتل سبّة * إذا ما رأته عامر وسلول " 3 "
وقول الآخر : [ زياد الأعجم ]
إذا ما اتّقى اللّه الفتى ، وأطاعه * فليس به بأس وإن كان من جرم " 4 "
وعليه قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ
هامش
( 1 ) البيت من الكامل ، وهو في ديوان أبي تمام 3 / 49 . ( 2 ) البيتان من مجزوء الرمل ، وهما للصاحب بن عباد في ديوانه ص 286 ، ويتيمة الدهر للثعالبي 3 / 245 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو للسموأل بن عادياء في ديوانه ص 91 . ( 4 ) البيت من الكامل ، وهو لزياد الأعجم في كتاب الصناعتين ص 399 .