تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
أحدها : أن تلي نكرة ، فتكون صفة لها ، كما في هذه الآية . وعليه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " الناس كإبل مائة لا تجد ، فيها راحلة " " 1 " . والثاني : أن تلي معرفة هي اسم موصول ، فتكون صلة له ، كقوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ البقرة : الآية 17 ] الآية . والثالث : أن تلي معرفة ليست باسم موصول ، فتقع استئنافا ، كقوله عز وعلا :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
[ العنكبوت : الآية 41 ] . ومن أبلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه : قول ابن المعتز :
كأنّا وضوء الصبح يستعجل الدّجى * نطير غرابا ذا قوادم جون " 2 "
شبّه ظلام الليل حين يظهر فيه ضوء الصبح بأشخاص الغربان ، ثم شرط أن تكون قوادم ريشها بيضاء لأن تلك الفرق من الظّلمة تقع في حواشيها من حيث يلي معظم الصبح وعموده لمع نور يتخيل منها في العين كشكل قوادم بيض . وتمام التدقيق في هذا التشبيه : أن جعل ضوء الصبح - لقوة ظهوره ودفعه لظلام الليل - كأنه يحفز الدّجى ، ويستعجلها ، ولا يرضى منها بأن تتمهل في حركتها ثم لما راعى ذلك في التشبيه ابتداء ، راعاه آخرا ، حيث قال : " نطير غرابا " ولم يقل : " غراب يطير " ونحوه ؛ لأن الطائر إذا كان واقعا في مكان ، فأزعج ، وأطير منه ، أو كان قد حبس في يد أو قفص فأرسل ، كان ذلك لا محالة أسرع لطيرانه ، وأدعى له أن يستمر على الطيران حتى يصير إلى حيث لا تراه العيون . بخلاف ما إذا طار عن اختيار ، فإنه حينئذ يجوز أن لا يسرع في طيرانه وأن يصير إلى مكان قريب من مكانه الأول ، وكذا قول أبي نواس في صفة منقار البازي :
كعطفة الجيم بكفّ أعسرا " 3 "
غير خاف أن الجيم خطان ، أولهما : الذي هو مبدؤه وهو الأعلى ، والثاني الذي يذهب إلى اليسار ، وإذا لم يوصل بها فلها تعريق والمنقار إنما يشبه الخط الأعلى فقط فلهذا قال : " كعطفة الجيم " ولم يقل : " كالجيم " ثم دقق بأن جعلها بكفّ أعسر لأن جيم
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه ابن ماجة حديث 3990 ، وعبد الرزاق في المصنف 20447 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 9 / 231 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في أسرار البلاغة ص 154 . ( 3 ) قبله :في هامة غلباء تهدي منسراوالرجز في أسرار البلاغة ص 155 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 195 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني