الأعسر يقال : إنه أشبه بالمنقار من جيم الأيمن ، ثم أراد أن يؤكد أن الشبه مقصور على الخط الأعلى من الجيم ، فقال :
يقول من فيها بعقل فكّرا * لو زادها عينا إلى فاء ورا " 1 "
فاتصلت بالجيم ؛ صارت جعفرا .
فأبان أنه لم يدخل التعريق في التشبيه ، لأن الوصل يسقطه أصلا ، ولا الخط الأسفل وإن كان لا بد منه مع الوصل ، لأنه قال : " فاتصلت بالجيم " أي : بالعطفة المذكورة ، ولم يقتصر على قوله :
لو زادها عينا إلى فاء ورا
ولأجل هذا التدقيق قال :
يقول من فيها بعقل فكّرا
فنبّه على أن بالمشبّه حاجة إلى فضل فكر ، وأن يكون فكره فكر من يراجع عقله .
وإذ قد تحققت ما ذكرنا من التفصيل ، علمت أن قول امرئ القيس في وصف السنان أعلى طبقة من قول الآخر : [ عنترة بن شداد ]
يتابع لا يبتغي غيره * بأبيض كالقبس الملتهب " 2 "
لخلوّ الثاني عن التفصيل الذي تضمّنه الأول ، وهو قصر التشبيه على مجرد السنا ، وتصويره مقطوعا عن الدخان ، ومعلوم أن هذا لا يقع في الخاطر أول وهلة ، بل لا بد فيه من أن يتثبت ، وينظر في حال كلّ من الفرع والأصل ، حتى يقع في النفس أن في الأصل شيئا يقدح في حقيقة التشبيه ، وهو الدخان الذي يعلو رأس الشعلة . وكذا قوله :
وكأن أجرام النجوم لوامعا * درر نثرن على بساط أزرق " 3 "
أفضل من قول ذي الرّمّة :
كأنها فضّة قد مسّها ذهب " 4 "
هامش
( 1 ) الرجز في أسرار البلاغة ص 155 .
( 2 ) البيت من المتقارب ، وهو في ديوان عنترة بن شداد ص 32 ، وأسرار البلاغة ص 188 ، والإشارات والتنبيهات ص 176 .
( 3 ) البيت من الكامل ، وهو لأبي طالب الرقي في الإشارات والتنبيهات ص 161 ، ويتيمة الدهر للثعالبي 1 / 244 .
( 4 ) صدر البيت :كحلاء في برج صفراء في دعجوالبيت من البسيط ، وهو في ديوان ذي الرمة ص 33 ، وجمهرة اللغة ص 1331 ، وجمهرة أشعار العرب ص 945 ، والكامل ص 934 ، وبلا نسبة في المخصص 1 / 98 .