تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
لأن الأول مما يندر وجوده دون الثاني ؛ فإن الناس أبدا يرون في الصّياغات فضّة قد موّهت بذهب ، ولا يكاد يتفق أن يوجد درر قد نثرن على بساط أزرق . وكذا بيت بشار أعلى طبقة من قول أبي الطيّب :
يزور الأعادي في سماء عجاجة * أسنّته في جانبيها الكواكب " 1 "
وكذا من قول الآخر : [ عمرو بن كلثوم ]
تبني سنابكها من فوق أرؤسهم * سقفا كواكبه البيض المباتير " 2 "
لأن كل واحد منهما ، وإن راعى التفصيل في التشبيه ؛ فإنه اقتصر على أن أراك لمعان الأسنّة والسيوف في أثناء العجاجة ، بخلاف بشّار ، فإنه لم يقتصر على ذلك ، بل عبّر عن هيئة السيوف وقد سلّت من أغمادها ، وهي تعلو وترسب وتجيء وتذهب ، وهذه الزيادة زادت التفصيل تفصيلا ؛ لأنها لا تقع في النفع إلا بالنظر إلى أكثر من جهة واحدة ؛ وذلك أن للسيوف عند احتدام الحرب واختلاف الأيدي بها في الضرب ، اضطرابا شديدا ، وحركات سريعة ، ثم لتلك الحركات جهات مختلفة ، تنقسم بين الاعوجاج والاستقامة ، والارتفاع والانخفاض ، ثم هي باختلاف هذه الأمور تتلاقى ، ويصدم بعضها بعضا ، ثم أشكالها مستطيلة ؛ فنبّه على هذه الدقائق بكلمة واحدة ، وهي قوله : " تهاوى " لأن الكواكب إذا تهاوت اختلفت جهات حركتها ، ثم كان لها في التهاوي تواقع وتداخل ، ثم استطالت أشكالها . وكذا قول الآخر في الآذريون : [ عبد اللّه بن المعتز ]
مداهن من ذهب * فيها بقايا غاليه " 3 "
أعلى وأفضل من قوله فيه : [ عبد اللّه بن المعتز ]
ككأس عقيق في قرارتها مسك " 4 "
لأن السواد الذي في باطن الآذريونة ، الموضوع بإزائه الغالية والمسك ، فيه أمران ، أحدهما : أنه ليس بشامل له ، والثاني أنه لم يستدر في قعرها ، بل ارتفع منه حتى
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي 1 / 119 ، وأسرار البلاغة ص 200 ، والإشارات والتنبيهات ص 176 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو لعمرو بن كلثوم في الشعر والشعراء ص 549 ، وأسرار البلاغة ص 201 . ( 3 ) البيت من مجزوء الرجز ، وهو لعبد اللّه بن المعتز في العمدة 2 / 183 ، وأسرار البلاغة ص 202 . ( 4 ) صدر البيت :وحمل آذريونه فوق أذنهوالبيت من الطويل ، وهو لعبد اللّه بن المعتز في أسرار البلاغة ص 202 ، وديوان المعاني 2 / 26 .