تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
أخو نعاس جدّ في التّمطّي * قد خامر النوم ولم يغطّ
والفرق بين هذا والأول أن الأول صريح في الاستمرار على الهيئة والاستدامة لها دون بلوغ الصفة غاية ما يمكن أن يكون عليها ، والثاني بالعكس . قال الشيخ عبد القاهر : وشبيه بالأول في الاستقصاء قول ابن الرّومي في المصلوب أيضا :
كأن له في الجوّ حيلا يبوعه * إذا ما انقضى حبل أبيح حبل " 1 "
فقوله : " إذا ما انقضى حبل أتيح له حبل " كقوله : " مواصل لتمطيه من الكسل " في التنبيه على استدامة الشّبه ، لأنه إذا كان لا يزال يبوع حبلا لم يقبض باعه ، ولم يرسل يده ، وفي ذلك بقاء شبه المصلوب على الاتصال . والمركّب العقليّ كالمنظر المطمع مع المخبر المؤيس الذي هو على عكس ما قدر ، في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
[ النّور : الآية 39 ] ، شبّه ما يعمله من لا يقرن الإيمان المعتبر بالأعمال التي يحسبها تنفعه عند اللّه وتنجيه من عذابه ، ثم يخيب في العاقبة أمله ، ويلقى خلاف ما قدّر ، بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة ، فيحسبه ماء ؛ فيأتيه ، فلا يجد ما رجاه ، ويجد زبانية اللّه عنده ؛ فيأخذونه ، فيعتلونه إلى جهنم ، فيسقونه الحميم والغسّاق . فهو كما ترى منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض ؛ وذلك أنه روعي من الكافر فعل مخصوص ، وهو حسبان الأعمال نافعة له ، وأن تكون للأعمال صورة مخصوصة ، وهي صورة الأعمال الصالحة التي وعد اللّه تعالى بالثواب عليها بشرط الإيمان به وبرسله عليهم السّلام ؛ وأنها لا تفيدهم في العاقبة شيئا ، وأنهم يلقون فيها عكس ما أمّلوه وهو العذاب الأليم ، وكذا في جانب المشبّه به . وكحرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمّل التعب في استصحابه ، كما في قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : الآية 5 ] فإنه أيضا منتزع من أمور مجموعة قرن بعضها إلى بعض ؛ وذلك أنه روعي من الحمار فعل مخصوص ، وهو الحمل ، وأن يكون المحمول شيئا مخصوصا وهي الأسفار التي هي أوعية العلوم ، وأن الحمار جاهل ما فيها ، وكذا في جانب المشبه .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في أسرار البلاغة ص 116 .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 178 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني