مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطّه السيل من عل " 1 "
يقول : إن هذا الفرس - لفرط ما فيه من لين الرأس وسرعة الانحراف - ترى كفله في الحال التي ترى فيها لببه ؛ فهو كجلمود صخر دفعه السيل من مكان عال ؛ فإن الحجر بطبعه يطلب جهة السّفل ؛ لأنها مركزه ، فكيف إذا أعانته قوة دفع السيل من عل ؟ ! فهو لسرعة تقلّبه يرى أحد وجهيه حين يرى الآخر .
وكما يقع التركيب في هيئة الحركة قد يقع في هيئة السكون ؛ فمن لطيف ذلك قول أبي الطّيّب في صفة الكلب :
يقعي جلوس البدويّ المصطلي " 2 "
إنما لطف من حيث كان لكل عضو من الكلب في إقعائه موقع خاصّ ، وللمجموع صورة خاصة مؤلّفة من تلك المواقع .
ومنه البيت الثاني من قول الآخر في صفة مصلوب :
كأنه عاشق قد مدّ صفحته * يوم الوداع إلى توديع مرتحل " 3 "
أو قائم من نعاس فيه لوثته * مواصل لتمطّيه من الكسل
والتفصيل فيه أنه شبّه بالمتمطي إذا واصل تمطّيه مع التعرّض لسببه وهو اللّوثة والكسل فيه ؛ فنظر إلى هذه الجهات الثلاث ، ولو اقتصر على أنه كالمتمطي كان قريب التناول ؛ لأن هذا القدر يقع في نفس الرائي للمصلوب ابتداء ؛ لأنه من باب الجملة .
وشبيه بهذا القول قول الآخر :
لم أر صفّا مثل صفّ الزّطّ * تسعين منهم صلبوا في خطّ " 4 "
من كل عال جذعه بالشّط * كأنه في جذعه المشتطّ
هامش
( 1 ) البيت من الطويل وهو في ديوان امرئ القيس ص 19 ، ولسان العرب ( علا ) ، وجمهرة اللغة ص 126 ، وتاج العروس ( فرر ) ، وكتاب العين 7 / 174 ، وإصلاح المنطق ص 25 ، وخزانة الأدب 2 / 397 ، والدرر 3 / 115 ، وشرح أبيات سيبويه 2 / 339 ، وشرح التصريح 2 / 54 ، وشرح شواهد المغني 1 / 451 ، والشعر والشعراء 1 / 116 ، والكتاب 4 / 228 ، والمقاصد النحوية 3 / 449 .
( 2 ) يليه :بأربع مجدلة لم تجدّلوالرجز في ديوان المتنبي 1 / 175 .
( 3 ) البيتان من البسيط ، وهما في الكامل للمبرد 2 / 45 ، وأسرار البلاغة ص 163 .
( 4 ) الأبيات من السريع ، وهي لدعبل الخزاعي في الكامل للمبرد 2 / 45 ، وأسرار البلاغة ص 163 ، 164 .