بدّ من اختلاط حركات كثيرة للجسم إلى جهات مختلفة له ، كأن يتحرك بعضه إلى اليمين ، وبعضه إلى الشمال ، وبعضه إلى العلو ، وبعضه إلى السّفل .
فحركة الرّحا والدّولاب والسهم لا تركيب فيها ؛ لاتحاد الحركة وحركة المصحف في قول ابن المعتز :
وكأن البرق مصحف قار * فانطباقا مرّة وانفتاحا " 1 "
فيها ترتيب ؛ لأنه يتحرك في الحالتين إلى جهتين في كل حالة إلى جهة ، وكلّما كان التفاوت في الجهات التي تتحرك أبعاض الجسم إليها أشدّ كان التركيب في هيئة المتحرّك أكثر .
ومن لطيف ذلك قول الأعشى يصف السفينة في البحر وتقاذف الأمواج بها :
تقص السفين بجانبيه كما * ينزو الرّباح خلا له كرع " 2 "
قال الشيخ عبد القاهر : الرّباح : الفصيل ( وقيل : القرد ) والكرع : ماء السماء ؛ شبّه السفينة في انحدارها وارتفاعها بحركات الفصيل في نزوه ، فإنه يكون له حينئذ حركات متفاوتة تصير لها أعضاؤه في جهات مختلفة ، ويكون هناك تسفّل وتصعّد على غير ترتيب ، وبحيث ( يكاد ) يدخل أحدهما في الآخر ؛ فلا يتبينه الطّرف مرتفعا حتى يراه متسفّلا ، وذلك أشبه شيء بحال السفينة وهيئة حركاتها حين تتدافعها الأمواج .
ومنه قول الآخر [ ابن المعتز ] :
حفّت بسرو كالقيان ، ولحّفت * خضر الحرير على قوام معتدل " 3 "
فكأنها والريح جاء يميلها * تبغي التعانق ، ثم يمنعها الخجل
فإن فيه تفصيلا دقيقا ؛ وذلك أنه راعى الحركتين ؛ حركة التهيّؤ للدنوّ والعناق ، وحركة الرجوع إلى أصل الافتراق ، وأدّى ما يكون في الثانية من سرعة زائدة تأدية لطيفة ؛ لأن حركة الشجرة المعتدلة حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال ؛ وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع أسرع من حركة من يهمّ بالدنو ، لأن إزعاج الخوف أقوى أبدا من إزعاج الرجاء .
ومما مذهبه السهل الممتنع من هذا الضرب قول امرئ القيس :
هامش
( 1 ) البيت من المديد ، وهو في الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم 1 / 77 .
( 2 ) البيت من الوافر ، وهو في أسرار البلاغة ص 159 .
( 3 ) البيتان من الكامل ، واسمه الأخيطل الأهوازي ، أو لأحمد بن سليمان بن وهب ، أو لابن المعتز في أسرار البلاغة ص 241 ، وحماسة ابن الشجري ص 223 .