تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
من الزائد على أصل المراد ما ليس منه ، كما مثّله بعض الناس بقول القائل : [ كثير بن عبد الرحمن " عزّة " ]
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة * ومسّح بالأركان من هو ماسح " 1 " وشدّت على دهم المهارى رحالنا * ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بينا * وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
يبيّن أنه ليس منه ما ذكره الشيخ عبد القاهر في شرحه . قال : أول ما يتلقّاك من محاسن هذا الشعر أنه قال : " ولما قضينا من منى كل حاجة " فعبّر عن قضاء المناسك - فرائضها وسننها - بطريق العموم الذي هو أحد طرق الاختصار . ثم نبّه بقوله : " ومسح بالأركان من هو ماسح " على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر ، ودليل المسير الذي هو مقصوده من الشعر . ثم قال : " وشدّت - البيت " فوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زمّ الركاب وركوب الرّكبان . ثم دلّ بلفظ " الأطراف " على الصفة التي تختصّ بها الرّفاق في السّفر : من التصرّف في فنون القول ، وشجون الحديث ، أو ما هو عادة المتظرّفين : من الإشارة ، والتلويح والرمز والإيماء ، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوّة النشاط ، وفضل الاغتباط ، كما توجبه ألفة الأصحاب ، وأنسة الأحباب ، ويليق بحال من وفّق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب ، وتنسّم روائح الأحبّة والأوطان واستماع التّهاني والتحايا من الخلّان والإخوان . ثم زان ذلك كلّه باستعارة لطيفة ؛ حيث قال : " وسالت بأعناق المطيّ الأباطح " فنبّه بذلك على سرعة السّير ، ووطأة الظهر . وفي ذلك ما يؤكد ما قبله لأن الظهور إذا كانت وطيئة ، وكان سيرها سهلا سريعا زاد ذلك في نشاط الرّكبان ، فيزداد الحديث طيبا . ثم قال : " بأعناق المطيّ " ولم يقل : " بالمطي " لأن السرعة والبطء في سير الإبل
هامش
( 1 ) الأبيات من الطويل ، والبيت الأول لكثير عزة في ملحق ديوانه ص 525 ، وزهر الآداب ص 349 ، وللمضرب عقبة بن كعب بن زهير في الحماسة البصرية 2 / 103 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( طرف ) ، وأمالي المرتضى 2 / 359 ، والشعر والشعراء ص 72 ، والخصائص 1 / 28 ، 218 ، 220 ، ومعجم البلدان ( منى ) .
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 142 | إبراهيم شمس الدين / الخطيب القزويني