تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
أما " ما " فقيل : يطلب به إما شرح الاسم ، كقولنا : " ما العنقاء ؟ " وإما ماهيّة المسمّى ، كقولنا : " ما الحركة ؟ " والقسم الأول يتقدم على قسمي " هل " جميعا ، والثاني يتقدم على " هل " المركبة دون البسيطة ، فالبسيطة في الترتيب واقعة بين قسمي " ما " . وقال السكاكي : يسأل ب " ما " عن الجنس ، تقول : " ما عندك " أي : أيّ أجناس الأشياء عندك ؟ وجوابه : إنسان ، أو فرس ، أو كتاب ، أو نحو ذلك ، وكذلك تقول : " ما الكلمة ؟ وما الكلام ؟ " وفي التنزيل :
فَما خَطْبُكُمْ
[ الحجر : الآية 57 ] ؟ أي : أيّ أجناس الخطوب خطبكم ، وفيه :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي
[ البقرة : الآية 133 ] أي : أيّ من في الوجود تؤثرونه للعبادة ؟ . أو عن الوصف ، تقول : " ما زيد ؟ وما عمرو ؟ " وجوابه : الكريم ، أو الفاضل ، ونحوهما . وسؤال فرعون :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الشّعراء : الآية 23 ] ؟ إما عن الجنس ؛ لاعتقاده - لجهله باللّه تعالى - أن لا موجود مستقلا بنفسه سوى الأجسام ، كأنه قال : أيّ أجناس الأجسام هو ؟ ، وعلى هذا جواب موسى عليه السّلام بالوصف ؛ للتنبيه على النظر المؤدّي إلى معرفته ، لكن لما لم يطابق السؤال عند فرعون عجّب الجهلة الذين حوله من قول موسى بقوله لهم :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
[ الشّعراء : الآية 25 ] ؟ ثم لما وجده مصرّا على الجواب بالوصف إذ قال في المرة الثانية :
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
( 26 ) [ الشّعراء : الآية 26 ] ؛ استهزأ به وجنّنه ، بقوله :
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
( 27 ) [ الشّعراء : الآية 27 ] وحين رآهم موسى عليه السّلام لم يفطنوا لذلك في المرّتين غلّظ عليهم في الثالثة بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
[ آل عمران : الآية 118 ] . وإما عن الوصف طمعا في أن يسلك موسى عليه السّلام في الجواب معه مسلك الحاضرين لو كانوا هم المسؤولين مكانه ؛ لشهرته بينهم بربّ العالمين ، إلى درجة دعت السّحرة إذ عرفوا الحق أن أعقبوا قولهم :
آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ
[ الشّعراء : الآية 47 ] قولهم :
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ
( 48 ) [ الشّعراء : الآية 48 ] نفيا لاتّهامهم أن عنوه ، جهله بحال موسى إذ لم يكن جمعهما قبل ذلك مجلس ، بدليل ( أنه ) قال :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
[ الشّعراء : الآية 30 ]
قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 31 ) [ الشّعراء : الآية 31 ] فحين سمع الجواب تعدّاه وتعجب واستهزأ ، وجنّن ، وتفيهق بما تفيهق من قوله :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
[ الشّعراء : الآية 29 ] . وأما " من " فقال السكاكيّ : هو للسؤال عن الجنس من ذوي العلم ، تقول : من جبريل ؟ بمعنى : أبشر هو أم ملك أم جنّيّ ، وكذا : من إبليس ؟ ومن فلان ؟ ومنه قوله