تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وقولنا : " بحالهما " احتراز من إزالة حرف الاستثناء عن مكانه بتأخيره عن المقصور عليه ، كقولك في الأول : " ما ضرب عمرا إلا زيد " فإنه يختلّ المعنى ؛ فالضابط أن الاختصاص إنما يقع في الذي يلي " إلا " . ولكن استعمال هذا النوع - أعني تقديمها - قليل ؛ لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها ، كالضرب الصادر من زيد في " ما ضرب زيد إلا عمرا " والضرب الواقع على عمرو في " ما ضرب عمرا إلا زيد " . وقيل : إذا أخّر المقصور عليه والمقصور عن " إلا " وقدّم المرفوع ، كقولنا : " ما ضرب إلا عمرو زيدا " فهو على كلامين ، و " زيدا " منصوب بفعل مضمر ، فكأنه قيل : " ما ضرب إلا عمرو " أي ما وقع ضرب إلا منه ، ثم قيل : " من ضرب ؟ " فقيل : " زيدا " أي ضرب زيدا . وفيه نظر ؛ لاقتضائه الحصر في الفاعل والمفعول جميعا . وأما في " إنما " فيؤخّر المقصور عليه ، تقول : " إنما زيد قائم " ، و " إنما ضرب زيد " و " إنما ضرب زيد عمرا " و " إنما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة " و " إنما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة في السّوق " أي : ما زيد إلا قائم ، وما ضرب إلا زيد ، وما ضرب زيد إلا عمرا ، وما ضرب زيد عمرا إلا يوم الجمعة ، وما ضرب زيد عمرا يوم الجمعة إلا في السّوق ، فالواقع أخيرا هو المقصور عليه أبدا ؛ ولذلك تقول : " إنّما هذا لك ، وإنّما لك هذا " أي : ما هذا إلّا لك ، وما لك إلّا هذا ، حتى إذا أردت الجمع بين " إنما " والعطف فقل : " إنّما هذا لك ، لا لغيرك " و " إنما لك هذا ، لا ذاك " و " إنما أخذ زيد ، لا عمرو " و " إنما زيد يأخذ ، لا يعطي " ومن هذا تعثر على الفرق بين قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : الآية 28 ] وقولنا : " إنما يخشى العلماء من عباد اللّه اللّه " فإن الأول يقتضي قصر خشية اللّه على العلماء ، والثاني يقتضي قصر خشية العلماء على اللّه . واعلم أن حكم " غير " حكم " إلّا " في إفادة القصرين - أي قصر الموصوف على الصفة ، وقصر الصفة على الموصوف - وفي امتناع مجامعة " لا " العاطفة ، تقول في قصر الموصوف إفرادا : " ما زيد غير شاعر " وقلبا : " ما زيد غير قائم " وفي قصر الصفة بالاعتبارين بحسب المقام " لا شاعر غير زيد " ولا تقول " ما زيد غير شاعر لا كاتب " ولا " لا شاعر غير زيد لا عمرو " .