تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
الحال " ما جاء راكبا إلا زيد " . والوجه في جميع ذلك أن النفي في الكلام الناقص - أعني الاستثناء المفرّغ - يتوجّه إلى مقدّر هو مستثنى منه عام مناسب للمستثنى في جنسه وصفته . أما توجهه إلى مقدّر هو مستثنى منه فلكون " إلّا " للإخراج ، واستدعاء الإخراج مخرجا منه . وأما عمومه فليتحقق الإخراج منه ، ولذلك قيل : تأنيث المضمر في " كانت " على قراءة أبي جعفر المدني :
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً
[ يس : الآية 29 ] بالرفع وفي " ترى " مبنيا للمفعول في قراءة الحسن :
فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ
[ الأحقاف : الآية 25 ] برفع " مساكنهم " وفي " بقيت " في بيت ذي الرّمّة :
فما بقيت إلّا الضّلوع الجراشع " 1 "
للنظر إلى ظاهر اللفظ ، والأصل التذكير ؛ لاقتضاء المقام معنى شيء من الأشياء . وأما مناسبته في جنسه وصفته فظاهرة ؛ لأن المراد بجنسه أن يكون في نحو " ما ضرب زيد إلّا عمرا " " أحدا " وفي نحو قولنا : " ما كسوت زيدا إلا جبّة " " لباسا " وفي نحو " ما جاء زيد إلا راكبا " كائنا على حال من الأحوال ، وفي نحو " ما اخترت رفيقا إلا منكم " " من جماعة من الجماعات " ومنه قول السيد الحميري : [ إسماعيل بن محمد ]
لو خيّر المنبر فرسانه * ما اختار إلّا منكم فارسا " 2 "
لما سيأتي إن شاء اللّه تعالى أن أصله " ما اختار فارسا إلا منكم " . والمراد بصفته كونه فاعلا أو مفعولا ، أو ذا حال ، أو حالا ، وعلى هذا القياس إذا كان النفي متوجها إلى ما وصفناه فإذا أوجب منه شيء جاء القصر . ويجوز تقديم المقصور عليه مع حرف الاستثناء بحالهما على المقصور ، كقولك : " ما ضرب إلّا عمرا زيد ، وما ضرب إلّا زيد عمرا ، وما كسوت إلّا جبّة زيدا ، وما ظننت إلّا زيدا منطلقا ، وما جاء إلّا راكبا زيد ، وما جاء راكبا " .
هامش
( 1 ) صدر البيت :طوى النحز والإجراز ما في غروضهاوالبيت من الطويل ، وهو لذي الرمة في ديوانه ص 1296 ، وتخليص الشواهد ص 482 ، وتذكرة النحاة ص 113 ، وشرح المفصل 2 / 87 ، والمحتسب 2 / 207 ، والمقاصد النحوية 2 / 477 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 2 / 172 ، وشرح ابن عقيل ص 243 . ( 2 ) البيت من السريع ، وهو في مفتاح العلوم للسكاكي ص 130 .